الأحد، 10 يوليو 2016

هل الرق جائز في الإسلام وهو منافي لحقوق الإنسان التي أقرها خاتم الأديان؟
أوّلاً: نظام الرقّ والعبودية قد نشأ في أحضان الجاهلية وترسّخت مبانيه في أذهانهم، فكان يتحتّم على النظام الإسلامي أن يقابل هذه الحالة السلبية بطريقة مرنة من خلال تثقيف المسلمين وحثّهم على إطلاق سراح العبيد والإماء وتحريرهم، حتّى تتم عملية فكّ رقابهم في المجتمع بصورة غير قسرية وبحالة تدريجية، لكي لا تؤثّر في الموازنات الاجتماعية والاقتصادية بصورة دفعية، فتنتج انقلابات وفوضى يمكن الاستغناء عنها.
ثانياً: الإسلام ومن منطلق حرصه على حرّية الفرد،  كان يحرّض المسلمين دائماً على عملية تحرير الرقاب، فمن جانب يذكر الأجر والثواب على تحرير العبيد، ومن جانب آخر يعدّ هذا العمل كفّارة لبعض الذنوب والمعاصي، وبهذين الطريقين يحاول الإسلام أن يحرّر كثير من العبيد والإماء، وقد تخلّص عدد كبير منهم من وطأة الرقّ والعبودية فعلاً.
ثالثاً: إنّ مسألة الرقّ في الواقع تشمل المحاربين من الكفّار الذين تمّت عليهم الحجّة، ولم يقبلوا الإسلام، فبعد الحرب معهم، تكون مسألة الرقّ والعبودية لنسائهم وأطفالهم بمثابة مدرسة تعليمية يختلطون بواسطتها مع المجتمع الإسلامي، ويتعايشون معهم، ويتزوّج بعضهم من بعض، مع تحديد شروط للمجتمع الإسلامي في معاملته معهم،  كما أنّ الحلول التي وضعها الإسلام لعتقهم هي في غاية الدقّة، تجعلهم يتحرّرون في أسرع وقت وقد اندمجوا في المجتمع الإسلامي وتعلّموا المباني الإسلامية، وهذا ما نشاهده بوضوح من معاملة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته للعبيد من تعليمهم وعتقهم، وكانت علاقة هؤلاء العبيد بأهل البيت(عليهم السلام) إلى درجة ممّا كانت تجعل العبيد يفضّلون البقاء مع أهل البيت(عليهم السلام) عبيداً لهم، على حرّيتهم وعتقهم.
رابعاً: إنّ عدداً من أُمّهات الأئمّة(عليهم السلام) كنّ من الجواري والإماء، ممّا يدلّ على عدم الفرق من حيث المبدأ بين الحرّ والعبد في سلوك طريق السعادة والكمال، وهذه إشارة واضحة لنا بأن لا نميّز الآخرين على أساس الفروق الاجتماعية.
وربما من يسال : هل يستطيع المسلم أن يهدي رقيقته التي اشتراها بماله،  أو اكتسبها من حرب إلى ولده،  أو صديق أو أخ،  وكأنّها سلعة، فأين كرامة أو قيمة الإنسان في ذلك؟
إن الإسلام كدين إلهي يحاول أن يعالج السلبيات الموجودة في المجتمع بطريقة مرنة حدّ الإمكان، حتّى لا يوقع الناس في أضرار جراء التغييرات والتقلّبات.
نعم، إن كان الموضوع من قضايا العقيدة وأركان الإسلام فلا يتهاون في حقّه،  بل يتّخذ الإجراءات الحاسمة والفورية، ولكن لمّا لم يصل إلى هذا الحدّ من الضرورة،  فلا حاجة إلى الإسراع والتعجيل، بل ولربّما يكون فيهما - الإسراع والتعجيل - ما يخلّ بالنظام الاجتماعي، ففي هذه الصورة يتصرّف المشرّع بشكل آخر، وهو التطبيق التدريجي للأحكام نحو الهدف الغائي والمطلوب لكي لا يصطدم المجتمع بصدمة عنيفة في بنيته الأساسية إزاء التطبيق الدفعي والقسري.
فمثلاً: عندما يرى أنّ المشركين يحجّون إلى بيت الله الحرام ويؤدّون مناسك خاصّة - وإن كان العمل بمجموعه من تراث الدين التوحيدي، دين إبراهيم الخليل(عليه السلام)،  ولكن حرّفوه في طول التاريخ - فهو يقع بين أمرين: إمّا أن يمنعهم عن هذا العمل مطلقاً، فينبغي أن يتحمّل تبعات هذا المنع من اعتراضات وتهم ترد للنيل من سمعة الإسلام متّهماً إياه بعدوله عن خط الأديان التوحيدية،  أو يتصرّف في شكلية النسك فيطهرها من آثار الكفر والشرك مع عدم المساس بأصل العمل، وهذا النوع من التصرّف مع سهولته لا يثير حفيظة ذلك المجتمع قريب العهد بالجاهلية، وبالتالي ينال هؤلاء المخضرمون شيئاً فشيئاً مزايا الحجّ التوحيدي والصحيح، وهذا ما قد حصل فعلاً.
ومثال آخر: ترى أنّ الخمر قد حُرّم في ثلاث مراحل - كما هو معروف - فعندما رأى الإسلام تفشّي هذه الحالة السيئة - شرب الخمر - في الجاهلية عالجها بأسلوب تدريجي، فمرّة بيّن للناس مضارّه، ثمّ في مرحلة ثانية منعهم عن الصلاة في حالة السكر، وفي المرحلة الثالثة صرّح بتحريمه مطلقاً.
وهكذا كان يواجه الإسلام المشاكل والمصاعب التي ورثها من الجاهلية، فلا يؤيّدها ولا يصطدم بها بشكل سافر، بل يتّخذ الإجراءات الكفيلة لحذف النقاط السلبية من المجتمع بغية الوصول إلى الهدف الأسمى مع أقلّ الضرر.
وفي مسألة العبيد والرقيق واجه الإسلام حالة مُرّة في المجتمع البشري آنذاك - وهذه لم تكن مختصّة بالعرب، بل وحتى الفرس والروم كانوا يمارسونها - فوقع بين أمرين: فإمّا أن يلغي الصورة الاجتماعية من الأساس، فعندئذ كان عليه أن ينشغل فقط بهذا الأمر ويترك باقي القضايا والمشاكل دون حلّ؛ لأنّ نظام الرقّية كان سائداً في كلّ أرجاء المعمورة - فضلاً عن شبه الجزيرة العربية - فكان الأمر ينتهي - في أحسن الحالات - إلى صراع طبقي قد لا ينتج منه إلاّ الدمار. ولكنّه اختار أسلوباً آخر للتعامل مع هذه المعضلة، فتدرّج في الموضوع بحيث لم يثر مشاعر الناس، فاستطاع أن يقلب الموازين ويأتي بعلاقات أخوية بين الموالي والعبيد لم تكن تخطر ببال أحد من قبل.
هذا وفي الوقت نفسه استغلّ الفرصة ليجعل بيوت الموالي مدارس تربوية لمن كان دونهم من العبيد والإماء الذين دخلوا في المجتمع الإسلامي عن طريق الحروب وغيرها. فترى ظهور وبزوغ ثلة مؤمنة من هؤلاء ارتقوا أعلى مراتب العزّ والشرف،  ممّا يدلّ على صحّة موقف الإسلام من المسألة.
وبعد معرفة هذا والتأمّل فيه، يمكن معرفة سائر الجزئيات المتعلّقة بأحكام الرقّ، والتي أشرتم إلى بعضها.
وربما يقول قائل : لماذا استمرّ فعل المعصومين على شراء العبيد؟
وذلك من خلال التتبّع في سيرتهم يلاحظ أنّهم من زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) حتّى الإمام الحادي عشر الإمام العسكري(عليه السلام)... كانوا يشترون العبيد... ألا يدلّ هذا العمل على جواز البيع والشراء في العبيد؟! وإذا كانت المعاملة للعبيد جائزة،  فكيف يُقضى على هذه العادة التي كانت موجودة في الجاهلية؟
وكيف أنّ المعصوم يسير وفق هذه العادة؟
وإن كان للإسلام منهج لتحرير العبيد من خلال التشجيع على ذلك وجعل بعض الأحكام الشرعية التي تُلزم بتحرير العبيد،  إلاّ أنّ البيع والشراء لم يحرّمه الإسلام،  بل أبقاه على ما كان عليه من الجواز،  وأنّ تحريم البيع والشراء معناه المنع الدفعي لمسألة الرقّ والعبيد،  وقلنا: إنّ الإسلام أراد التعامل معها بشكل تدريجي.
ثمّ إنّ شراء الأئمّة للعبيد معناه أنّ هذا الشخص سينال حرّية بعد أن يخضع لدورة تربوية،  كما دلّت على ذلك سيرة الأئمّة(عليهم السلام) في التعامل مع العبيد.
إضافة إلى أن ذلك يمثل حقيقة إبقاء التشريع في مسألة الرق فإن الإسلام جاء بما يحل إشكالية الرق لا العكس،  فالتشريع بالأصل جاء بالعتق وهذا العتق يستلزم تشريع الشراء،  فإن قيل لم لم توجب الشريعة العتق قلنا بأن الوجوب يستلزم أحد أمرين فإما أن يوجب الشراء،  وهذا ما لا يمكن أن يطيقه الجميع،  أو يبيح الشراء لأصل وجوب العتق،  وفي هذه الحال لن نتخلص من إشكالية الرق،  لأن الوجوب سيأتي بعد الإباحة في الشراء،  وهذا تكليف الأصل فيه الإختيار (ونقصد به إباحة الشراء) وحينها لن نجد الكم الذي ستعامل معه كما هو الواقع من التشريع،  وعليه فإن التشريع جاء معالجا لا مسببا،  وعندما يطرح السؤال عن مشروعية (السبي) من خلال ما يقع من حروب،  فيلزمنا إبتداء بأن ليست كل حرب موجبة لإتخاذ السبي،  بدليل الحرب التي أعلنها البعض ضد أمير المؤمنين صلوات الله عليه كحرب الجمل مثلا،  فعدم مشروعية السبي في تلك الحرب بينها أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبالتالي نفهم من هذه الحادثة بأن إتخاذ الرق كنتيجة للحرب لا يمكن أن تكون إلا بوجود المعصوم صلوات الله عليه،  يقابل ذلك مثالا في غزوة خيبر فقد اتخذ السبي حينها بوجود المعصوم صلى الله عليه وآله،  ولو بحثنا الأمر لوجدنا بأن ما أجيب عنه من قبل مركز الأبحاث العقائدية يمثل الحقيقة،  فأين يذهب الأطفال وتذهب النساء حينذاك؟ 
المشكل هناك في تركهم دون الإهتمام بهم،  ولو بحثنا بشكل منصف ووضعنا إقتراحات فلن نجد أفضل من أن يحتويهم الإسلام بعنوان أولي كمرحلة أولى وتبدأ المرحلة الثانية من العتق والإنصهار في الداخل الإسلامي،  هذا بشكل موجز ومضغوط جدا ومحل الإطناب يستلزم مقاما.
منقول بتصرف عن بعض الأخوة ممن اغناهم الله بفيض من المعرفة
جزاهم الله خيرا


الفتوحات الاسلامية كانت ضرراً على الإسلام.
 
بسمه تعالى
 
السؤال: ما هو رأي الأئمة الطاهرين عليهم السلام بالفتوحات الإسلامية في عهود خلفاء الجور؟

والجواب

بسمه تعالى
 
إن التشدق بالفتوحات الإسلامية ليس إلاّ مظهراً من مظاهر العصبيّة التي نبذها الإسلام تحت قدميه، هذه الفتوحات التي جعلوها مفخرة عظمى لمن يسمَّى بالخلفاء الراشدين قد صبت علينا الويلات، حتى نعت الغربيون الإسلام بأنه دين قسوة يعتمد على السيف أكثر من اعتماده على منطق العقل والعلم والدراية!!.. فأغلب هذه الفتوحات إنما كانت من أجل توسيع رقعة الحكم الغاصب للخلافة من أصحابها الحقيقيين أمير المؤمنين وأبنائه الميامين‏ (عليهم السَّلام)، بل كانت ضرراً على الإسلام ووبالاً عليه، وذلك لأمور:
الأول: لو كانت تلك الفتوحات للَّه تعالى لكان اتّبعها اهتمام القائمين بها من الحكّام والساسة بإرشاد الناس ففي تلك البلاد المفتوحةف وتعليمهم وتثقيفهم وتربيتهم تربية دينية صالحة، بحيث يتحول الإسلام في نفوسهم إلى طاقة عقائدية تشحذ الهمم نحو الفضيلة والتكامل، وتبنّيهم لأحكام الإسلام والدفاع عنها، فلما لم يكن شي‏ء من هذا حاصلاً في تلك البلاد، علمنا أن فتوحاتهم لم تكن فتحاً للإسلام، بل فتحاً للعداء عليه. فها هو رسول اللَّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكن يكتفي من الناس بإظهار الإسلام والتلفظ بالشهادتين ثم ممارستهم السطحية لبعض الشعائر والظواهر الإسلامية فحسب وإنما كان يرسل لهم من يعلّمهم ويرشدهم إلى عقائد الإسلام وأحكامه، بخلاف هذه الفتوحات التي تمت على يد الثلاثة المتقدّمين على مولانا أمير المؤمنين عليّ‏ (عليه السَّلام) فإن الكثير من البلدان فُتحت ثم عادت إلى الكفر والعصيان.
قال الطبري:إن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان وكانوا يجبون أحياناً مائة ألف ويقولون هذا صلحنا، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلثمائة ألف وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجاً حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلم يعازه أحد حين قدمها، فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص.
فكان همّ خلفاء الفتوحات جلب النفائس والحلي والدراهم والجواري.
قال ابن الأثير:
"إن معاوية بن أبي سفيان عزل معاوية بن حُديج عن أفريقية، واستعمل عليها عقبة بن نافع الفهري، وكان مقيماً ببرقة وزويلة مذ فتحها أيام عمروفبن العاص، ... فلما استعمله معاوية سيّر إليه عشرة آلاف فارس، فدخل أفريقية وانضاف إليه من أسلم من البربر فكثر جمعه، ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتدّ من أسلم".
وهكذا نجد عدم اهتمام كثير من الصحابة بالإسلام كعقيدة ثابتة، لذا قال موسى بن يسار: "إن أصحاب رسول اللَّه كانوا أعراباً جفاةً، فجئنا نحن أبناء فارس فلخصنا هذا الدين".
الثاني: أدت سياسة التمييز في العطاء، وتفضيل العرب على العجم، والهيمنة والسيطرة التي كانت سائدة بين أواسط الحكام وأتباعهم، مضافاً إلى وفور النعم، إلى الإعجاب بالنفس والغرور، مع عدم وجود روادع دينية أو وجدانية لديهم، فنال الأمة منهم كل مكروه، وأصيب الإسلام على أيديهم في مقاتله. لقد انبهر أصحاب تلك الفتوحات بالمناصب التي كانوا فيها، وأسالت لعابهم الجواري الحسان، وتملك البلدان، فشمخ كل منهم بأنفه، ونظر في عطفه، وتكبّر وتجبّر، لأنه لم يتعامل مع الواقع الجديد بعقلية الرجل المسلم الواعي والهادف، بل بعقلية الجاهلية، التي تعتبر القبيلة لا الأمة أساساً، والفرد لا الجماعة ميزاناً ومنطلقاً لتعامله مع الآخرين، فكان جلّ اهتمامهم بتقوية أمرهم، وتثبيت سلطانهم، فصاروا يجمعون الأنصار بالمال وبالإغراء بالمناصب وغير ذلك من سياسات، ليس الترهيب والقمع في كثير من الأحيان إلاّ واحداً منها، واستمروا في بسط نفوذهم وسلطانهم على أساس أنه ملك قبلي.
"وإذا كان أبو بكر، وكذلك عمر لا يدري: أخليفة هو أم ملك، فإن معاوية بن أبي سفيان كان يعتبر نفسه ملكاً بالفعل، وكذلك كان يعتبره الكثيرون، بل إنّ عمر نفسه قد اعتبر نفسه ملكاً في بعض المناسبات".
لقد اعتبر معاوية والأمويون أنفسهم ملوكاً قيصريين، وأن الدين عندهم مجرد شعار يخدم هذا المُلك ويقويه، وكل ما كان مانعاً من الوصول إلى ما يبتغون، كانوا يدمرونه ويستأصلونه من جذوره.
فالمستفيدون الحقيقيون من تلك الفتوحات هم خصوص هذه الطبقة من المترفين المتجبّرين من أدعياء الإسلام، كانوا يكيدون للإسلام بإسمه، فهم أصحاب القرار لذا عبَّر العامة عنهم بف"أهل الحل والعقد" يحلّون ويعقّدون بأنفسهم من دون استشارة أحد من المسلمين، لأن القرار بأيديهم، واللَّه تعالى سلّطهم على عبيده فهم خدم عندهم لا يلوون على شي‏ء إلا بإشارتهم، فهذا النمط من الحكّام هم المستفيدون حقاً، لذا قد بلغت الثروات في عهد الخلفاء الثلاثة الأُول أرقاماً خيالية، حسبما أفادت النصوص التاريخية، فقد نجد أن عمرفبن الخطّاب الذي يقال عنه أنه من أزهد الناس فوربّ قول مشهور لا أساس له‏ف وأنه كان يرتزق من بيت المال، وغيرها من الفضائل التي أصبغوها عليه، نجده قد أصدق زوجته أربعين ألف درهم أو دينار، وقيل مائة ألف، كما أنه أعطى صهراً له قدم عليه من مكّة عشرة آلاف درهم من صلب ماله، وقد ملك أربعة آلاف فرس، إلى غير ذلك مما يجده المتتبع لمسيرة الثلاثة.
كما أن عمر بن الخطّاب قد حاول أخذ الجزية من رجل أسلم، على اعتبار أنه: إنما أسلم متعوذاً، فقال له ذلك الشخص: إن في الإسلام لمعاذاً! فقال عمر: صدقت أن في الإسلام لمعاذاً.
وها ذاك خالد بن الوليد فسيف الشيطان المسلول على المؤمنين الموحّدين لا سيّما الصدّيقة الطاهرة الزكية فاطمة (عليها السَّلام)  لعن اللَّه من ظلمها وآذاهاف يخاطب جنوده ويرغّبهم بأرض السواد: "ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب؟ وباللَّه، لو لم يلزمنا الجهاد في اللَّه، والدعاء إلى اللَّه عزّ وجلّ، ولم يكن إلاّ المعاش لكان الرأي: أن نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولّى، ممن إثّاقل عما أنتم عليه".
وعلى كل حال، فإن الحرب من أجل الغنائم والأموال، كانت هي الصفة المميزة لأكثر تلك الفتوحات، ويشهد له ما رواه أبو نعيم والحسن‏فبن سفيان عن الحارث‏فبن مسلم التميمي: أن النبيّ أرسل بعض الصحابة في سرية وأنا معهم، فلمّا بلغنا المغار استحثثت فرسي وسبقت أصحابي، واستقبلنا الحي بالرنين، فقلت لهم: قولوا لا إله إلا اللَّه تحرزوا؟ فقالوها. فجاء أصحابي، فلاموني، وقالوا: حرمتنا الغنيمة بعد أن بردت في أيدينا، فلمّا قفلنا، ذكروا ذلك لرسول اللَّه، فدعاني، فحسَّن ما صنعتُ وقال: أما إن اللَّه قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا..".
وقال الزبير للذي سأله عن مسيره لحرب الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) "حدثنا أن هاهنا بيضاء وصفراء فيعني دراهم ودنانيرف فجئنا لنأخذ منها".
الثالث: إن تربية كثير من الأشراف والرؤساء على أيدي غير المسلمات، له دور كبير في تكوين الشخصية المهزوزة والتي ليس في قلبها متسع للرحمة، لأن الإسلام دين رحمة، فمن لم يتصف بتلك الرحمة فلا قيمة لإسلامه ولو تشهد بالشهادتين ألف مرة كل يوم.
لذا فقد كان:
1  لأولاد سعد بن أبي وقّاص معلم نصراني.
2  يوسف بن عمرو كانت أمه نصرانية.
3  خالد القسري، بنى لأمه كنيسة، وكان خالد يهدم المساجد، ويبني البيع والكنائس، ويولّي المجوس، وكان جد خالد من يهود تيماء.
4  وتزوّج طلحة بيهودية في زمن عمر.
5  تزوّج عبدفاللَّه بن أبي ربيعة بنصرانية في زمن عمر.
6  كان لعمر بن الخطاب غلام نصراني لم يسلم وقد أعتقه حين وفاته.
7  تزوّج عثمان بن عفان بنائلة بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية وغيرهم كثير.
وعلى كل حال، "فإن تربية تلك الجواري للنش‏ء الجديد قد كان من شأنه أن يخفض من المستوى الديني، ومن مستوى الالتزام بالأحكام الإسلامية لدى ذلك النش‏ء بالذات، وهذا بطبيعة الحال من شأنه أن يشكّل خطراً جدياً على الإسلام والمسلمين، ولذلك فإننا نجد الأئمة (عليهم السَّلام) يهتمون بتربية العبيد والجواري تربية إسلامية صالحة ثم عتقهم.
وقد شجّع الإسلام العتق على نطاق واسع، وجعل له من الأسباب الإلزامية والراجحة الشي‏ء الكثير، الذي من شأنه أن يقضي على ظاهرة العبودية من أساسها".
الرابع: عدم اشتراك أمير المؤمنين وولديه العظيمين الإمامين الحسن والحسين‏ (عليهم السَّلام) في تلك الفتوحات التي طالما تشدق بها العامة وجعلوها من الأدلة على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، مع أنهم تناسوا فتوحات أمير المؤمنين عليّ في بدر وخيبر وأحد وحنين وكل المعارك التي خاضها الإسلام مع الكفر وخرج منها منتصراً ببركة ساعد مولانا أمير المؤمنين عليّ‏ (عليه السَّلام).
فسبب عدم مشاركته‏ (عليه السَّلام) في تلك الفتوحات يرجع إلى أمرين:الأول: حرمة دعم هؤلاء لكونهم مالوا عن الحقّ واعتدوا على الحرمات، لأنّ في د عمهم تضعيف عقائد المؤمنين وتوهين شريعة سيّد المرسلين وإغراءٌ بالقبيح، هذا مضافاً إلى أنّهم لم يطلبوا بهذه الفتوحات وجه اللَّه والقرن منه بل كان كلّ همّهم الحصول على النفائس وصوافي الغنائم والاختصاص بالحسناوات من النساء بعنوان سبايا وجواري... وعلى كلّ حال فإنّ الحرب من أجل بسط نفوذهم وتقوية أمورهم، فصاروا يجمعون الأنصار بالمال وبالإغراء بالمناصب وبغير ذلك من سياسات ليس الترهيب والقمع في كثير من الأحيان إلاّ واحداً منها..
إذن، فالحرب من أجل الغنائم والأموال كانت هي الصفة المميّزة لأكثر تلك الفتوحات، ويشهد لهذا ما فعلوه بأمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام) ورسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مسجّى على الفراش، ثم انتهاكهم لحرمة ابنته الزهراء البتول ومنعها من الخمس واغتصابهم لفدك وغير ذلك لأكبر شاهد على ما قلنا. هذا مضافاً إلى أنّ ظاهرة الطمع في الأموال والنفائس كانت سائدة بين بعض المسلمين على عهد رسول اللَّه ممّا سبّب انكسار المسلمين في معركة أحد، وبقيت هذه الظاهرة إلى ما بعد وفاة النبي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل لا نبالغ إذا ما قلنا أنها ازدادت عمّا كانت عليه في عهد رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
الثاني: إنّ ضعف الإيمان في نفوس المسلمين وعدم معرفتهم بأكثر أحكام دينهم استدعى عدم مشاركته‏ (عليه السَّلام) في تلك الفتوحات، هذا علاوة على أنّه لم يأمر أحداً من أصحابه بالمشاركة فيها، لأنّ مهمّته‏ (عليه السَّلام) وأصحابه معه هي تثقيف الناس بعقائدهم وتثبيت الإيمان في نفوسهم ونشر فكر الإسلام الصحيح للأمّة، وللمتصدّين لإدارة شؤونها على حدٍّ سواء وقد نوّه بذلك‏ (عليه السَّلام) في خطبة له فقال: "أيّها الناس، خذوها عن خاتم النبيّين‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه يموت من مات منّا وليس بميّت... ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر، قد ركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم الأخلاق من نفسي، فلا تستعملوا فيما لا يُدرك قعره البصر ولا تتغلغل إليه الفِكَر...".
وبالجملة:
فإن أئمة الهدى‏ (عليهم السَّلام) كانوا لا يرون في الاشتراك في هذه الفتوحات أو الحروب مصلحة، بل لا يرون نفس تلك الحروب خيراً، فقد روي عن مولانا الإمام الصادق‏ (عليه السَّلام) أنه قال لعبد الملك بن عمرو: "يا عبد الملك مالي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال: قلت: وأين؟ قال‏ (عليه السَّلام): جدّة وعبادان والمصيصة وقزوين، فقلت: انتظاراً لأمركم والاقتداء بكم، فقال‏ (عليه السَّلام): أي واللَّه لو كان خيراً ما سبقونا إليه، قال: قلت له: فإن الزيدية يقولون ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلاّ أنه لا يرى الجهاد، فقال‏ (عليه السَّلام): أنا لا أراه! بلى واللَّه إني لأراه ولكنني أكره أن أدع علمي إلى جهلهم".
وعن أمير المؤمنين عليّ‏ (عليه السَّلام) قال:
لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفي‏ء أمر اللَّه عزّ وجلّ، فإنه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقنا والإشاطة بدمائنا وميتته ميتة جاهلية.
وثمة روايات أخرى تدل على أنّهم‏ (عليهم السَّلام) كانوا لا يشجّعون شيعتهم بل ويمنعونهم من الاشتراك في تلك الحروب، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور أيضاً، ولا يقبلون منهم حتى ببذل المال في هذا السبيل ولو كان نذراً، وشرّعوا لشيعتهم أنهم إذا دخلوا في حكومات الجائرين اضطراراً لدفع هجوم العدو عليهم أن يدخلوا دفاعاً عن بيضة الإسلام لا عن أولئك الحكّام.
فالأئمة (عليهم السَّلام) يرون حرمة الجهاد مع غير الإمام العاقل كما هو مفاد الخبر المتقدّم عن أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام)، فهم روحي وأرواح العالمين لهم الفداء أحرص الناس على توسعة رقعة الإسلام ونشره ليشمل الدنيا بأسرها، ولكنَّ الطريقة والأسلوب الذي كان يتم ذلك بواسطته كان حراماً ومضراً بنظرهم المقدَّس.
وما ادّعاه بعضهم (من أن الإمامين الحسن والحسين شاركا في كثير من الفتوحات الإسلامية وكان لهما دور بارز في سير تلك المعارك التي كانت تدور رحاها بين المسلمين وغيرهم) غير مقبول وذلك:
1- لم يرد ذلك في أخبارنا، بل ما ذكره الحسني إنما هو من مصادر العامة، ولا حجية لأخبارهم عندنا نحن الإمامية لا سيّما التي تخالف أخبارنا الصحيحة، وليت شعري كيف أخذ بأخبار عليها علائم الدّس والتحريف وقامت القرائن القطعية على بطلانها؟ هذا مضافاً إلى إرسالها وضعفها مع معارضتها لأخبارنا الصحيحة _ والتي عرضنا قسماً منها _.
2- إنّ عمله بهذه الأخبار فعلى ضعفها وشواذهاف لا يعبّر عن رأي الشيعة الإمامية، للأسباب التي ذكرناها سابقاً، مضافاً إلى أنه لو كان _ ما ذكره الحسني‏ _ صحيحاً فلِمَ جلس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) خمساً وعشرين سنة في بيته؟! وولداه لم يفارقاه أصلاً، مع التأكيد على أن أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام) وولديه‏ (عليهما السَّلام) لو كانوا - والحالة هذه - مكان سعد بن أبي وقاص فهل يكونون مأمونين من أن يرجعوا بذاك الجيش فيما لو كانوا قادة فيه، وماذا لو كانوا تحت إمرة الفسّاق، فما هو موقفهم من أولئك القادة، وهل يرضى الحسني أن ينضوي أئمته‏ (عليهم السَّلام) الحسن والحسين تحت إمرة خالدفبن الوليد والمغيرة بن شعبة وغيرهما؟! بل ما ادعاه المذكور مخالف لما ورد من أن القوم عرضوا عليه المشاركة فرفض.

Ads Inside Post