الأحد، 24 أبريل 2016

" أظهرت أزمة تشكيل حكومة عراقية - بعد أكثر من تسعة أشهر من الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر مارس 2010 ، الكثير من الحقائق عن طبيعة النظام السياسي الذي أقيم إثر الغزو الأمريكي للعراق، وإسقاط نظام صدام حسين، وانهيار دولة حزب البعث الشمولية.
وأهم ما أبرزته هذه الأزمة هو فشل مشروع إعادة بناء الدولة في العراق بسبب قيامه علي ركائز نظام هجين للمحاصصة الإثنو- طائفية، وعلى أساس تقاسم وظيفي للسلطة والثروة بين أفراد طبقة سياسية جديدة، أتاحت لها ظروف الاحتلال الهيمنة علي مقاليد الحكم، حيث لم تنجح هذه الطبقة السياسية، التي تبنت مطالب الجماعات القومية والمذهبية، في تحقيق الشعار الذي تبنته بإقامة نظام ديمقراطي تعددي. ([1])
وتمتد جذور هذه الأزمة إلى تاريخ التاسع من نيسان/أبريل عام 2003م، وهو التاريخ الذي احتلت إدارة الرئيس الامريكي السابق “جورج دبليو بوش” العراق، فهذه الإدارة لم تساعده على تأسيس نظام حكم شبيه بالنظام الأمريكي الذي ارتكز على مفهوم المواطنة بغض النظر عن الاعتبارات الدينية والقومية للمواطن الأمريكي.
فالنظام السياسي الذي بُني في العراق نظام توافقي مستند على الانتماءات الطائفية والقومية السابقة على قيام الدولة الحديثة. وهذا التوافق الهش بين شركاء العملية السياسة من أكراد وعرب”سنة وشيعة” في العراق كان سبباً كافياً لكل أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية التي شهدها بعد نيسان عام 2003م. وكان سبباً أيضا في خضوع العراق تحت النفوذ الإيراني.([2])
ويعتقد بريمر " إن المحاصصة الطائفية "أمر مؤسف"،  إنما كانت خيارا اضطراريا لا مفر منه بسبب تركة نظام صدام حسين الذي "دمر النسيج الاجتماعي وأسس حكمه بالاعتماد على السنة في مراكز القوة. " ([3])
 لقد اتضح عقم تجربة الانتخابات في أن تؤسس لنظام ديمقراطي راسخ، كما غابت التوافقية الحقيقية، باعتبارها أساس التعددية، واستبدل بها نظام تحاصصي. في ظل ذلك كله، تنامي الإحساس بالمصالح الفئوية الإثنية والطائفية، مصحوبة بغياب الإرادة والمصلحة الوطنية، مما يضرب ركيزة مبدأ الدولة التعددية الاتحأدية الناشئة." ([4])
فمنذُ العامِ 2003 وحتى الان والمحاصصةُ الحزبيةُ تفرضُ سطوتَها على المشهدِ السياسي وكانت المنتجَ لحكوماتٍ خمسٍ متعاقبة ... هذا النظامُ اعتمدته الاطرافُ السياسيةُ طوالَ الفترةِ الماضيةِ دونَ ان يكون له ايُ اصلٍ دستوريٍ او شرعي.([5]) 
فماذا نعني بالمحاصصة؟
" هو مصطلح غير وطني ومقيت ظهر بعد عام 2003 في العراق وهو يقسم المواطنين إلى أديان ومذاهب وطوائف وقوميات وأحزاب وكتل ومجاميع وعشائر وقبائل، وجعل هذا المصطلح المواطن مقيداً في بودقة دون حراك، فهو قد ترك الإبداع والكفاءة والشهادة والضمائر جانباً وإرتبطت الحقوق الدستورية للمواطن بالمسميات السابقة.([6])
" ان كلمة ـ محاصصة ـ في قاموس جميع اللغات لا تتعدى كونها عملية تقسيم الكل الى مكوناته حسب الاستحقاق الكمي للاطراف المشاركة فيه".([7])
"ويظهر أن هذا مصطلح المحاصصة قد مشتق من الحصة والحصحصة والمحاصصة بمعنى المقاسمة، أي الاستحواذ على المناصب والأموال بطريقة فنية حديثة. فهناك  المحاصة السياسية والطائفية والحزبية والعشائرية. ومنظروا المحاصصة يعملون على محاصصة أو مقاسمة خيرات البلاد إلى فئات أو مجاميع معينة للاستحواذ على ثروات البلاد المالية والثقافية والاجتماعية وحتى التراثية، وهذا يولد بلا شك نزعة إلى التفرقة وتمزيق نسيج المجتمع ويخلق نوعاً من التنافر والتباعد والتشتت بين أبناء الوطن الواحد، ومن ثم تظهر قوة التصارع والتنازع، وتنمو إلى أن تصل فيما بعد إلى المخاصمة التي لا تخدم البلد أو المواطن، كالفوضى والبطالة والصراع والإنقسام وهذا سوف يظهر فيما بعد في سلوك الأفراد ويولد حالة عدائية خطيرة، يصل مداها إلى التفكك والفساد والهجرة والبطالة وتفاقم الاضطرابات وسلبيات كثيرة لا تعد ولا تحصى. ويظهر أن هذا مصطلح المحاصصة قد مشتق من الحصة والحصحصة والمحاصصة بمعنى المقاسمة، أي الاستحواذ على المناصب والأموال بطريقة فنية حديثة، فهناك المحاصة السياسية والطائفية والحزبية والعشائرية، كما أن الوطن الذي يبنى على المحاصصة مصيره التقسيم والتنافر والتشتت، ويبتعد عن شعار الوطن والمواطنة والحقوق والواجبات." ([8])
"ان هذا المسلك الخطير الضار الذي انتهجته غالبية ( الاحزاب ) منذ البداية قد اسقطت صفة الوطنية من هويتها السياسية وبالتالي تحولت العملية السياسية منذ اليوم الاول لانطلاقتها الى صراع من اجل بناء وتعزيز وتحصين الذات القومي - الديني - المذهبي مع استهداف الهيمنة على السلطة لضمآن الصيرورة والتواصل والادامة. حيث لم تترتب على نتائج الانتخابات عملية محاصصة سياسية وطنية وانما عملية اقتسام مغانم السلطة بين قادة الاحزاب. "([9])
كما أن هنالك عدد من المفارقات التي عاشها العراق منذ التصويت على الدستور عام 2005 ولغاية آخر حكومة منتخبة وأهمها هو، ملابسات شرعية الحكومات المنتخبة مع دستورية تشكيلها... فمجلس النواب شرعي في طريقة إنتخابه بشكل دستوري لكن تكوين الحكومة المتخبة خرجت عن السياق الدستوري ( كنظام حكم نيابي ديمقراطي يستند إلى حكومة الأغلبية الأنتخابية). كما هو معروف وشائع { حيث يفسر نظام الحكم البرلكاني وفق النظرية السائدة مالم يحدد خلاف ذلك دستورياً} وبما ان الدستور العراقي ترك هذا الأمر معوّماً دون توضيح لآلية تشكيل الحكومة وتركها في ساحة قانون الأنتخابات ، الأمر الذي ادى إلى ان تكون آلية تشكيل الحكومة مطاطية ومرنة حسب أهواء ومصالح الكتل النيابية ، مما ساعد على ان يصادر صوت الناخبين بإعتماد نظام التوافق على تشكيل الحكومة واصبحت هذه الطريقة بتشكيل الحكومة هي عملية تفريغ الممارسة الديمقراطية من محتواها. وهذا اول مؤشر على ضياع حق المواطن في العملية السياسية. وهو نقض للدستور بما يخص الحقوق السياسية للمواطنين وخرق لمفاهيم المواطنة. كما إن عدم شرعية ودستورية الحكومة تستند في اعتمادها على نظام المحاصصة الطائفية لتقاسم السلطة وهذا التقسيم لم يرد حتى الإشارة إليه في الدستور، وليس تفصيله.
كما " إن النظام السياسي الذي نشأ في العراق إستند إلى التوزيع الطائفي السياسي والأثني المحاصصي للسلطة ولكافة دوائر الدولة مما ساهم في وأد مفهوم المواطنة والوطن الواحد والديمقراطية حتى الآن كما نشأ على أساس الهويات الثانوية التي أصبحت هي الهوية الفاعلة والرئيسية في الساحة السياسية العراقية وأزاحت عن طريقها هوية المواطنةإنها الهويات التي تعتبر بحق الهويات القاتلة لروح ومضمون المواطنة الحرة والمتساوية، وفي المرحلة الراهنة يعاني المجتمع العراقي من صراعات مدمرة بين أطراف حاكمة مشاركة في العملية السياسية التي ارتضت التوزيع الطائفي والأثني السياسي في ما بينها على السلطة السياسية وفي خلفية ذلك المال والنفوذ أو الجاه في المجتمعإنها المشكلة التي تقتل التطلع نحو مستقبل أفضل للعراق وشعبه"([10])
وحسب ما تقدم من دلائل ,,, تكون التجربة الديمقراطية في العراق قد افرغت من محتواها التنظيري والدستوري ايضاً ، وبنهاية الديمقراطية ووأدها في عباءة الطائفية ونظام المحاصصة تكون جميع الحقوق الدستورية التي تضمن تفعيل مفاهيم ومباديء المواطنة قد انتهت, و(ببساطة) بؤأد الديمقراطية وقتل المواطنة تكون ملامح الدولة المدنية قد ضاعت بشكل نهائي عن عراق مابعد 2003. 






([1]) صلاح النصراوي العراق والطريق إلى الدولة المدنية، متاح على:
 http://saotaliassar.org/Frei%20Kitabat/SalahNasrawy02.htm
([2]) معمر فيصل خولي، إلى ماذا سيفضي الحكم التوافقي “المحاصصة” في العراق: قضابات ستراتيجية، 2016، متاح على:
http://altahreernews.com/inp/view.asp?ID=30479
([3]) بول بريمر: المحاصصة الطائفية بالعراق كانت خيارا اضطراريا لا مفر منه. متاح على:
http://www.xendan.org/arabic/drejaa.aspx?=hawal&jmara=26354&Jor=2
([4]) صلاح النصراوي ، مصدر سابق.
([5]) قناة العهد الفضائية، المحاصصة منذ 2003 تخيم على العراق دون اصول دستورية او شرعية، لقاءات مع نواب من كتل سياسية متعددة . الجمعة 08 نيسان 2016، متاح على:
 http://www.alahad.tv.iq/index.php?itemID=10490
([6])   د. بهنام عطاالله ، المحاصصة ، جريدة (صدى السريان) ع 32 ،2012. 
([7]) مهران موشيخ، مفهوم المحاصصة في القاموس السياسي العراقي المعاصر، لحوار المتمدن،ع 1934 ، 2007، متاح على:
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=98423
([8])   د. بهنام عطاالله ، مصدر سابق. 
([9]) مهران موشيخ، مصدر سابق.
([10]) كاظم حبيب:هل هناك إمكانية لإقامة بديل ديمقراطي في العراق، الملتقى السياسي، موقع يحزاني،2012، متاح على:                    http://www.bahzani.net/services/forum/showthread.php?    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Ads Inside Post