المواطنة والإنتماء في ظل الحكم الصدامي الشمولي.
كان النظام القانوني في ظل
حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، لا يختلف كثيرا عن النظام القانوني للانظمة
الشمولية الفاشية، كنظام هتلر (1933-1945) الذي خول نفسه اصدار التشريعات المختلفة
بموجب قانون الصلاحيات المطلقة Enabling Act لعام 1933 والذي اعطى الحق لهتلر، اصدار القرارات
بقوة القانون لترسيخ نفوذه واستبداده وتحقيق طموحاته.
كما لا يختلف كثيرا عن النظام
القانوني الذي كان سائدا في الانظمة الشيوعية الشمولية، حيث لاتوجد سلطات ثلاثة في
الدولة، وانما هناك سلطة سياسية واحدة يقودها الحزب، وان الاجهزة الاخرى،
التشريعية والتنفيذية والقضائية، عبارة عن وظائف لخدمة اهداف القيادة السياسية.
النظام القانوني في ظل حكم
حزب البعث في العراق، هو نظام هجين للنظامين الفاشي والشيوعي. الرئيس صدام حسين هو
"القائد الضرورة"، كما كان هتلر وموسوليني وستالين، وحزب البعث هو الحزب
القائد، كما كان الحزب الشيوعي والحزب النازي، وقد ترك ذلك أثراً في الولاء للوطن وحالة
الأحساس بالأنتماء له.
إن حالة الإحساس بالإنتماء
إلى الوطن تتغير سلباً او أيجاباً تبعاً للظروف السياسية التي يعيشها المجتمع مع
النظام الحاكم بحكم حالة الأنسجام والتوافق ومستوى الرضا عن السلطة الحاكمة لدى
افراد المجتمع فيتولد حينها الشعور بالولاء للوطن والأنتماء له. وتلك بطبيعة الحال
هي نتيجة لهذه العلاقة بين الفرد والحكومة، والتي تحكمها ثوابت اساسية كالعدالة
السياسية والأقتصادية والأجتماعية، أما في حالة العراق بعد عام 1970 فقد انقسمت فترة
حكمه إلى ثلاثة مراحل:
المرحلة
الأولى: من عام 1970 إلى عام 1980.
المرحلة
الثانية : 1980-1990
المرحلة
الثالثة : 1991-2003
المرحلة
الأولى: من عام 1970 إلى عام 1980.
تعد الحقب الثلاثة في تاريخ
العراق بمثابت الخلاصة الكاملة لوأد الديمقراطية ومصادرة الحقوق السياسية والمدنية
للمجتمع حيث لعبت دوراً مهماً في توطين الحكم السلطوي وإفراغ النظام من محتواه
اليمقراطي المدني والقضاء على الشعور بالإنتماء للوطن وقتل حس المواطنة لدى الفرد
العراقي، وبداية الولادة الفعلية لدولة التسلط والدكتاتورية.
وحقبة السبعينيات من تاريخ
العراق السياسي هي الفترة التي بدأ حزب البعث بتثبيت ركائز وجوده السياسي السلطوي
في الحكم، حيث بدأ بنزع كافة الممارسات الدستورية التي تضمن حقوق المجتمع في
ممارسة مواطنيتهم تجاه بلدهم بغية المشاركة في بناءه بشكل حضاري، وكان أسلوبه
المتبع ليس بحذف النصوص الدستورية التي تكفل تلك الحقوق، إنما بتمييعها وتجميد
الكثير منها من خلال هيمنة القوانين التي تتناقض من الدستور وذلك لغياب المؤسسات
القضائية التي تضمن دستورية القوانين. فضلاً عن تحزيب المؤسسات المدنية والمنظمات
التي تشكلت بأمر من السلطة الحاكمة. وأمام هذه الحقائق لم يبقى لدى المواطن اي
شعور بالأنتماء لبلده حيث اصبح يشعر بالغربة والأغتراب في وطنه وهو الأمر الذي كان
يسعى له النظام الحاكم تمهيداً لفرض سيطرته إذ اصبح البلد يحكم من قبل عائلة رئيس
الدولة، فأين تكمن المدنية في دولة تحكمها عائلة وليس نظام سياسي؟؟؟!!!!! وأين
الأحساس بالمواطنة في بلد لاينتمي له الفرد بأي وجه من اوجه الأنتماء، خصوصاً ان من
سمات الحاكم المستبد اعتماده الكلي على السرية والوشاية والدسائس، ثم تصفية الخصوم
غير الملائمين لطريقة إدارته للحزب أو المنظمة أو حتى السلطة. وقد أدرك صدام حسين
أن سيطرته على تلك الأجهزة السرية هي المفتاح لسيطرته على جهاز الحزب كله، ومن ثم
مغاليق السلطة الحاكمة ذاتها. ولكن عدا السيطرة على الحزب والسلطة، كان ينبغي
التعامل مع قوى سياسية من خارج سلطة البعث، وكان على رأس تلك القوى الحزب الشيوعي
العراقي الذي يعتبر سيد الساحة في السبعينات في العمل السياسي والتنظيم والجذور
الضاربة في تربة الشعب.
لقد بدأ نظام الحكم البعثي
بالإنقلاب على ذاته يإنتزاع السلطة عنوة بالتنازل القسري ليبدأ مرحلة جديدة من
تاريخ العراق وهي مرحلة تنفيذ المخططات الأستعمارية بالقضاء على الأنتماء والولاء
للوطن كهدف أساسي لتوطين الهيمنة الأستعمارية على البلد، حيث بدأ بتصفية كل أعضائه
اللذين كانت لهم رؤى تجاه الحكم المدني الديمقراطي حسب ما جاء في مؤتمراته
وتنظيراته منذ نزوله إلى الساحة السياسية في العراق خلال العقد الرابع من القرن
العشرين، لكن مخططات الدول الأستعمارية كانت اكبر من طموحات أولئك الوطنيين ، وحين
أذنت ساعة الصفر كان لابد من تنفيذ تلك المخططات بالقضاء على الحس الوطني لدى
أبناء الشعب تمهيداً للهيمنة على البلد.([1])
إن الحديث عن هذه الحقبة قد
لايحتاج إلى وثائق تاريخية بالقدر الذي يمكن الأستعانه به على ذاكرتنا، حيث عاش جميع
العراقيون هذه الحقبة من حكم حزب البعث، بسماجته وتهكمه واستخفافه بكل قيم
الأنسانية السماوية والوضعية على حد سواء، حيث بدأ حكمه بإغتصاب السلطة عنوة عام
1968 ثم مالبث ان بدأ بالهيمنة على جميع المؤسسات المدنية والمجتمعية ومحاولة
تحزيبها. ناهيك عن زرع الفوضى لدى المجتمع وعزله عن مدنية الحياة بإدخاله في حروب
ضد الأكراد استزفت الكثير من أرواح العراقيين وبذر الفتنة بين أبناء القوميتين
(العربية والكردية).
عليه وعلى ضوء هذه الإعتبارات
بادر النظام السياسي للجمهورية الرابعة الى إتخاذ خطوات بإتجاه إصدار دستور جديد
ليعبر عن الواقع السياسي بدقة أكثر ويجسد أفكار الحزب الحاكم بصورة أفضل.
اي بعيداً عن حاجة المجتمع إلى دستور يتماشى من الوضع الجديد ، إذ شرع بوضع دستور
جديد يتماشى مع متطلبات الحكم وليس مع حاجة تنظيم المجتمع وشؤونه، وبذلك تبرز
النوايا المبيتة من قبل السلطة الحاكمة في فرض نظام سياسي جديد ذو طبيعة حكم
سلطوية ذات عرف ابوي يسلخ مفاهيم المواطنة الحقيقية ( كممارسة) من جذورها
المجتمعية ويفرغها لتصبح ( إكسسوارات دستورية) ويحل محلها كواقع مفروض منهج
التبعية والرعية.
" لقد جاء الدستور
المؤقت الرابع لعام 1970 الذي تحول الى دستور دائم فيما بعد بقرار من مجلس قيلدة
الثورة، لغرض تكريس جميع السلطات والصلاحيات التشريعية والتنفيذية بمجلس قيادة
الثورة، باعتباره الهيئة التشريعية العليا الذي يحق له اصدار القوانيين والقرارات
التي لها قوة القانون (المادة 42)، كما منح الدستور المذكور رئيس الجمهورية (صدام
حسين)، حق اصدار القرارات التي لها قوة القانون.
وبموجب قانون اصلاح النظام
القانوني رقم 35 لسنة 1977، تحولت السلطات في الدولة الى وظائف لخدمة اهداف
القيادة السياسية، وهي السلطة الوحيدة في الدولة التي تقوم بتعيين الاجهزة
التشريعية والتنفيذية والقضائية للقيام بوظيفتها في تنفيذ خيارات القيادة السياسية
(حزب البعث القائد). وبعبارة اخرى، ان السلطة في الدولة واحدة، ولغرض ممارسة
نشاطاتها اعتمدت على اجهزة مختلفة ومن بينها "الجهاز القضائي" للقيام
بالوظيفة القضائية. وتطبيقا لهذه النظرية، فقد جرى حل مجلس القضاء الاعلى برئاسة
رئيس محكمة تمييز العراق، وحل محله "مجلس العدل" برئاسة وزير العدل،
وبذلك اصبح القضاة المدنيين، موظفين تابعين لارادة القائمين على الوظيفة التنفيذية
(وزارة العدل) شأنهم شأن اي موظف تابع لهذه الوزارة.
ونتيجة لتحول الجهاز القضائي
الى وظيفة لخدمة اغراض القيادة السياسية في الدولة، تشرذم القضاء الجنائي وتوزع
على وزارات ومؤسسات الدولة العسكرية والامنية بغية احكام السيطرة من خلاله
على جميع المواطنيين، ويمكن تلخيص هذا الواقع على الشكل الاتي:
اولا: قضاء محكمة تمييز
العراق المرتبط بوزارة العدل: كان القضاء الجنائي التابع لهذه المحكمة مهمش تماما
بحكم انتماء اغلبية الشعب العراقي اما للجيش او قوى الامن الداخلي او الامن او
المخابرات او الجيش الشعبي، وجميع هذه المؤسسات تخضع للقوانين العقابية العسكرية
وقانون اصول المحاكمات العسكرية لسنة 1941 وبالتالي فان الجرائم التي ترتكب بين
منتسبي هذه المؤسسات تخضع في حسمها للقضاء العسكري مهما كانت جسامة الجريمة وطبيعة
القانون العقابي بما فيه قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وسواءا ارتكبت اثناء
اداء الوظيفة او خارجها.
ثانيا: قضاء محكمة التمييز
العسكرية وقوى الامن الداخلي والمشتركة بينهما: وترتبط هذه المحاكم بالوزير المختص
(وزير الدفاع او وزير الداخلية)، ولها اختصاصات واسعة جدا بموجب المادة 19 من
قانون اصول المحاكمات العسكرية، فهي تقوم بتطبيق جميع القوانيين العقابية العسكرية
واي قانون عقابي اخر، عن الجرائم التي يرتكبها منتسيبوا هذه المؤسسات فيما بينهم
سواء كانت اثناء الوظيفة او خارجها. ويلاحظ ان اختصاصات هذه المحاكم اوسع بكثير من
اختصاصات المحاكم الجنائية المدنية، لان الاخيرة ليس لها الحق في تطبيق القوانين
العقابية العسكرية، بينما المحاكم العسكرية وقوى الامن الداخلي، تطبق القوانيين
العسكرية واي قانون عقابي اخر..!
ثالثا: قضاء المحاكم الخاصة:
شكلت محاكم خاصة لسلب ما يمكن من اختصاصات المحاكم الجزائية التابعة لمحكمة تمييز
العراق. وهذه المحاكم تفتقر لابسط المعايير الدولية ومعايير العدالة وهي تتوزع
كالاتي:
• قضاء محكمة الثورة: شكلت هذه المحكمة بعد انقلاب 1968 وحددت اختصاصاتها
بالجرائم الماسة بامن الدولة الداخلي والخارجي المنصوص عليها بالمواد
156-222 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، والجرائم الواقعة على السلطات
العامة المنصوص عليها بالمواد 223-116 من القانون المذكور..وغيرها من الجرائم التي
يقرر رئيس الجمهورية احالتها الى هذه المحكمة. وكانت قرارات هذه المحكمة قطعية غير
قابلة للطعن امام اي محكمة اخرى..!
• قضاء المنظمات الحزبية: بموجب قراري مجلس قيادة الثورة المرقميين 55 و
74 لسنة 1994، تم منح قيادات الشعب ومجالس الشعب صلاحيات حجز الاشخاص مدة لا تقل
عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، اذا ما اشترى او باع عملة اجنبية خارج المكاتب
المجازة..وتكون خمس سنوات في حالة العود. وكذلك منحت صلاحيات غلق محلات البيع
بالجملة والمفرد وحجز اصحابها لمدة ستة اشهر. وان الطعن بتلك القرارات يكون امام
قيادة الفرع التي يكون قرارها قطعيا.
• قضاء الوزارات والاجهزة الامنية: وهي محاكم شكلت خارج تشكيلات المحاكم
العسكرية وقوى الامن الداخلي، كالمحاكم الخاصة في وزارة الدفاع والداخلية والامن
العامة والمخابرات والامن الخاص بموجب قرارات مجلس قيادة الثورة المرقمة 1752 في
29/11/1980 و 11 في 23/8/1994. تنظر هذه المحاكم الاستثنائية بجرائم محددة بقرارات
مجلس قيادة الثورة، ولا تخضع لدرجات التقاضي المألوفة، بل يتم الطعن بها امام
الوزير المختص او رئيس المخابرات او مدير الامن العام او رئيس جهاز الامن
الخاص..انه امر عجيب غريب حقا..!!
• قضاء الصلاحيات الخاصة: كانت بعض قرارات مجلس قيادة الثورة تمنح بين
الحين والاخر، رؤساء الوحدات الادارية وبعض ضباط الشرطة والموظفين صلاحيات قاضي
جنح لغرض انزال بعض العقوبات بحق الاشخاص، وبذلك سلب لبعض اختصاصات المحاكم
الجزائية واهدارا للعدالة.
[1])) في
تموز 1979 وقبل اعتزال البكر اصبح العراق ملكاً للحاكم وليس للشعب حيث كان صدام حسين قد أمسك بكل مفاتيح الحزب والدولة: الإشراف على أجهزة الدولة
والمخابرات، حيث تولى شقيقاه برزان وسبعاوي المسؤولية المباشرة عنهما. ترؤس لجنة
متابعة شؤون النفط. رئيس هيئة الطاقة النووية. رئيس مكتب الثقافة والإعلام. لكن
قبل أن يتسلق صدام حسين كرسي الرئاسة كان عليه أن يطيح برؤوس معظم رفاقه القدامى
الذين شاركوه السلطة خلال أكثر من سبع سنوات. فكانت مذبحة السابع عشر من تموز عام
1979 حين اعدم ربع أعضاء مجلس قيادة الثورة وثلث القيادة القطرية. وهكذا صعد الى
كرسي الرئاسة على جثث عشرات من رفاقه البعثيين. اعدموا بشكل جماعي، وفرض على كل
أعضاء الفروع والشُعَب إطلاق طلقة على المعدومين لكي يحس الجميع أنهم شاركوا في
التصفية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق