الأحد، 24 أبريل 2016

" أظهرت أزمة تشكيل حكومة عراقية - بعد أكثر من تسعة أشهر من الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر مارس 2010 ، الكثير من الحقائق عن طبيعة النظام السياسي الذي أقيم إثر الغزو الأمريكي للعراق، وإسقاط نظام صدام حسين، وانهيار دولة حزب البعث الشمولية.
وأهم ما أبرزته هذه الأزمة هو فشل مشروع إعادة بناء الدولة في العراق بسبب قيامه علي ركائز نظام هجين للمحاصصة الإثنو- طائفية، وعلى أساس تقاسم وظيفي للسلطة والثروة بين أفراد طبقة سياسية جديدة، أتاحت لها ظروف الاحتلال الهيمنة علي مقاليد الحكم، حيث لم تنجح هذه الطبقة السياسية، التي تبنت مطالب الجماعات القومية والمذهبية، في تحقيق الشعار الذي تبنته بإقامة نظام ديمقراطي تعددي. ([1])
وتمتد جذور هذه الأزمة إلى تاريخ التاسع من نيسان/أبريل عام 2003م، وهو التاريخ الذي احتلت إدارة الرئيس الامريكي السابق “جورج دبليو بوش” العراق، فهذه الإدارة لم تساعده على تأسيس نظام حكم شبيه بالنظام الأمريكي الذي ارتكز على مفهوم المواطنة بغض النظر عن الاعتبارات الدينية والقومية للمواطن الأمريكي.
فالنظام السياسي الذي بُني في العراق نظام توافقي مستند على الانتماءات الطائفية والقومية السابقة على قيام الدولة الحديثة. وهذا التوافق الهش بين شركاء العملية السياسة من أكراد وعرب”سنة وشيعة” في العراق كان سبباً كافياً لكل أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية التي شهدها بعد نيسان عام 2003م. وكان سبباً أيضا في خضوع العراق تحت النفوذ الإيراني.([2])
ويعتقد بريمر " إن المحاصصة الطائفية "أمر مؤسف"،  إنما كانت خيارا اضطراريا لا مفر منه بسبب تركة نظام صدام حسين الذي "دمر النسيج الاجتماعي وأسس حكمه بالاعتماد على السنة في مراكز القوة. " ([3])
 لقد اتضح عقم تجربة الانتخابات في أن تؤسس لنظام ديمقراطي راسخ، كما غابت التوافقية الحقيقية، باعتبارها أساس التعددية، واستبدل بها نظام تحاصصي. في ظل ذلك كله، تنامي الإحساس بالمصالح الفئوية الإثنية والطائفية، مصحوبة بغياب الإرادة والمصلحة الوطنية، مما يضرب ركيزة مبدأ الدولة التعددية الاتحأدية الناشئة." ([4])
فمنذُ العامِ 2003 وحتى الان والمحاصصةُ الحزبيةُ تفرضُ سطوتَها على المشهدِ السياسي وكانت المنتجَ لحكوماتٍ خمسٍ متعاقبة ... هذا النظامُ اعتمدته الاطرافُ السياسيةُ طوالَ الفترةِ الماضيةِ دونَ ان يكون له ايُ اصلٍ دستوريٍ او شرعي.([5]) 
فماذا نعني بالمحاصصة؟
" هو مصطلح غير وطني ومقيت ظهر بعد عام 2003 في العراق وهو يقسم المواطنين إلى أديان ومذاهب وطوائف وقوميات وأحزاب وكتل ومجاميع وعشائر وقبائل، وجعل هذا المصطلح المواطن مقيداً في بودقة دون حراك، فهو قد ترك الإبداع والكفاءة والشهادة والضمائر جانباً وإرتبطت الحقوق الدستورية للمواطن بالمسميات السابقة.([6])
" ان كلمة ـ محاصصة ـ في قاموس جميع اللغات لا تتعدى كونها عملية تقسيم الكل الى مكوناته حسب الاستحقاق الكمي للاطراف المشاركة فيه".([7])
"ويظهر أن هذا مصطلح المحاصصة قد مشتق من الحصة والحصحصة والمحاصصة بمعنى المقاسمة، أي الاستحواذ على المناصب والأموال بطريقة فنية حديثة. فهناك  المحاصة السياسية والطائفية والحزبية والعشائرية. ومنظروا المحاصصة يعملون على محاصصة أو مقاسمة خيرات البلاد إلى فئات أو مجاميع معينة للاستحواذ على ثروات البلاد المالية والثقافية والاجتماعية وحتى التراثية، وهذا يولد بلا شك نزعة إلى التفرقة وتمزيق نسيج المجتمع ويخلق نوعاً من التنافر والتباعد والتشتت بين أبناء الوطن الواحد، ومن ثم تظهر قوة التصارع والتنازع، وتنمو إلى أن تصل فيما بعد إلى المخاصمة التي لا تخدم البلد أو المواطن، كالفوضى والبطالة والصراع والإنقسام وهذا سوف يظهر فيما بعد في سلوك الأفراد ويولد حالة عدائية خطيرة، يصل مداها إلى التفكك والفساد والهجرة والبطالة وتفاقم الاضطرابات وسلبيات كثيرة لا تعد ولا تحصى. ويظهر أن هذا مصطلح المحاصصة قد مشتق من الحصة والحصحصة والمحاصصة بمعنى المقاسمة، أي الاستحواذ على المناصب والأموال بطريقة فنية حديثة، فهناك المحاصة السياسية والطائفية والحزبية والعشائرية، كما أن الوطن الذي يبنى على المحاصصة مصيره التقسيم والتنافر والتشتت، ويبتعد عن شعار الوطن والمواطنة والحقوق والواجبات." ([8])
"ان هذا المسلك الخطير الضار الذي انتهجته غالبية ( الاحزاب ) منذ البداية قد اسقطت صفة الوطنية من هويتها السياسية وبالتالي تحولت العملية السياسية منذ اليوم الاول لانطلاقتها الى صراع من اجل بناء وتعزيز وتحصين الذات القومي - الديني - المذهبي مع استهداف الهيمنة على السلطة لضمآن الصيرورة والتواصل والادامة. حيث لم تترتب على نتائج الانتخابات عملية محاصصة سياسية وطنية وانما عملية اقتسام مغانم السلطة بين قادة الاحزاب. "([9])
كما أن هنالك عدد من المفارقات التي عاشها العراق منذ التصويت على الدستور عام 2005 ولغاية آخر حكومة منتخبة وأهمها هو، ملابسات شرعية الحكومات المنتخبة مع دستورية تشكيلها... فمجلس النواب شرعي في طريقة إنتخابه بشكل دستوري لكن تكوين الحكومة المتخبة خرجت عن السياق الدستوري ( كنظام حكم نيابي ديمقراطي يستند إلى حكومة الأغلبية الأنتخابية). كما هو معروف وشائع { حيث يفسر نظام الحكم البرلكاني وفق النظرية السائدة مالم يحدد خلاف ذلك دستورياً} وبما ان الدستور العراقي ترك هذا الأمر معوّماً دون توضيح لآلية تشكيل الحكومة وتركها في ساحة قانون الأنتخابات ، الأمر الذي ادى إلى ان تكون آلية تشكيل الحكومة مطاطية ومرنة حسب أهواء ومصالح الكتل النيابية ، مما ساعد على ان يصادر صوت الناخبين بإعتماد نظام التوافق على تشكيل الحكومة واصبحت هذه الطريقة بتشكيل الحكومة هي عملية تفريغ الممارسة الديمقراطية من محتواها. وهذا اول مؤشر على ضياع حق المواطن في العملية السياسية. وهو نقض للدستور بما يخص الحقوق السياسية للمواطنين وخرق لمفاهيم المواطنة. كما إن عدم شرعية ودستورية الحكومة تستند في اعتمادها على نظام المحاصصة الطائفية لتقاسم السلطة وهذا التقسيم لم يرد حتى الإشارة إليه في الدستور، وليس تفصيله.
كما " إن النظام السياسي الذي نشأ في العراق إستند إلى التوزيع الطائفي السياسي والأثني المحاصصي للسلطة ولكافة دوائر الدولة مما ساهم في وأد مفهوم المواطنة والوطن الواحد والديمقراطية حتى الآن كما نشأ على أساس الهويات الثانوية التي أصبحت هي الهوية الفاعلة والرئيسية في الساحة السياسية العراقية وأزاحت عن طريقها هوية المواطنةإنها الهويات التي تعتبر بحق الهويات القاتلة لروح ومضمون المواطنة الحرة والمتساوية، وفي المرحلة الراهنة يعاني المجتمع العراقي من صراعات مدمرة بين أطراف حاكمة مشاركة في العملية السياسية التي ارتضت التوزيع الطائفي والأثني السياسي في ما بينها على السلطة السياسية وفي خلفية ذلك المال والنفوذ أو الجاه في المجتمعإنها المشكلة التي تقتل التطلع نحو مستقبل أفضل للعراق وشعبه"([10])
وحسب ما تقدم من دلائل ,,, تكون التجربة الديمقراطية في العراق قد افرغت من محتواها التنظيري والدستوري ايضاً ، وبنهاية الديمقراطية ووأدها في عباءة الطائفية ونظام المحاصصة تكون جميع الحقوق الدستورية التي تضمن تفعيل مفاهيم ومباديء المواطنة قد انتهت, و(ببساطة) بؤأد الديمقراطية وقتل المواطنة تكون ملامح الدولة المدنية قد ضاعت بشكل نهائي عن عراق مابعد 2003. 






([1]) صلاح النصراوي العراق والطريق إلى الدولة المدنية، متاح على:
 http://saotaliassar.org/Frei%20Kitabat/SalahNasrawy02.htm
([2]) معمر فيصل خولي، إلى ماذا سيفضي الحكم التوافقي “المحاصصة” في العراق: قضابات ستراتيجية، 2016، متاح على:
http://altahreernews.com/inp/view.asp?ID=30479
([3]) بول بريمر: المحاصصة الطائفية بالعراق كانت خيارا اضطراريا لا مفر منه. متاح على:
http://www.xendan.org/arabic/drejaa.aspx?=hawal&jmara=26354&Jor=2
([4]) صلاح النصراوي ، مصدر سابق.
([5]) قناة العهد الفضائية، المحاصصة منذ 2003 تخيم على العراق دون اصول دستورية او شرعية، لقاءات مع نواب من كتل سياسية متعددة . الجمعة 08 نيسان 2016، متاح على:
 http://www.alahad.tv.iq/index.php?itemID=10490
([6])   د. بهنام عطاالله ، المحاصصة ، جريدة (صدى السريان) ع 32 ،2012. 
([7]) مهران موشيخ، مفهوم المحاصصة في القاموس السياسي العراقي المعاصر، لحوار المتمدن،ع 1934 ، 2007، متاح على:
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=98423
([8])   د. بهنام عطاالله ، مصدر سابق. 
([9]) مهران موشيخ، مصدر سابق.
([10]) كاظم حبيب:هل هناك إمكانية لإقامة بديل ديمقراطي في العراق، الملتقى السياسي، موقع يحزاني،2012، متاح على:                    http://www.bahzani.net/services/forum/showthread.php?    

الخميس، 21 أبريل 2016

تناقضات المواطنة والجنسية في الدستور العراقي

في الوقت الذي عرف بعض المختصين الجنسية بأنها (رابطة سياسية بين الفرد والدولة) وعرفها آخرون بأنها ( رابطة قانونية بين الفرد والدولة ) اتجه اللواء ياسين الياسري([1]) إلى إن الجنسية هي (صفة تلحق بالشخص باعتبارها أمر معنوي غير ملموس، تربط الشخص (طبيعيا كان أم معنويا) بالدولة بعلاقة سياسية وقانونية واجتماعية ) . والمرجح كون الجنسية رابطة قانونية بين المواطن ودولته تفرض عليه واجبات المواطنة وتقر له حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ، على وفق ما يحدده دستور البلاد .
فإذن هي وفق هذا المفهوم علاقة تنظيمية وليس عقدية ، تضع الدولة أحكامها التفصيلية في قانون خاص على وفق صلاحياتها التشريعية ، لكنها تراعي في تلك الأحكام مصلحتي الدولة والمواطن في آن واحد ، وتلتزم الدولة في تلك الأحكام بمراعاة المواثيق الدولية ذات العلاقة التي هي طرف فيها. ولغاية هذا المفهوم لم يتم تحديد ماهية هذه العلاقة العقدية التي تنظم مبدأ المواطنة بالنسبة لمزدوجي الجنسية وخصوصاً فيما يخص الحقوق السياسية لهم ، إلا في مبدأ تعدد الجنسية للعراقي حيث فرض الدستور الجديد بالنسبة لتعدد الجنسية على من يتولى منصباًَ سيادياًَ أو أمنياًَ رفيعاًَ في العراق أن يتخلى عن أية جنسية أخرى مكتسبة. (ف/4- م/18) من دستور 2005. وبقيت مسألة الحقوق السياسية لغير أصحاب المناصب السيادية والأمنية من مزدوجي الجنسية مبهمة وفق مفهوم الصفة العقدية بين الدولة والمواطن. فضلاًعن ذاك ، لم يصدر قانون إلى الآن  يحدد من هي الاجهزة الامنية او المناصب السيادية الرفيعة  والتي منعتها المادة 18 من الدستور.
هنا نقف امام حالة يمكن تسميتها بإزدواجية المواطنة في الدستور العراقي، فإذا كان معيار المواطنة في الدستور هو الجنسية ( كصفة عقدية) وفق (ف/1-م/18) ويحق له إزدواج الجنسية ( يجوز تعدد الجنسية للعرقي) (ف/1-م/18رابعاً) ، فذلك يعني بأن يجوز تعدد المواطنية للفرد الذي اجاز له الدستور حمل جنسيتين. والمواطنة هي حالة من الأنتماء والولاء لاتمثلها صفات قانونية كالجنسية. عليه يكون الدستور العراقي قد قرن الصفة الدستورية للمواطن (بالجنسية) مع المواطنة وهي لايحدها قانون, بل شعور بالإنتماء.



([1]) اللواء الحقوقي ياسين السيد طاهر الياسري مدير الجنسية العام في العراق ومؤلف كتاب (الوافي في شــرح قانون الجنسية العراقي ) وصدر في ثلاثة طبعات آخرها عام 2010 ويعد من أعلام الجنسية في العراق. بنظر: اللواء الحقوقي المتقاعد
عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي،
الوافي في شرح قانون الجنسية العراقي، متاح على :

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

المواطنة في عراق ما بعد 2003 
حين نتحدث عن الوطنية  هنا بمعنى الأنتماء للوطن وحمل هويته وأداء الواجبات التي يحددها الدستور والقوانين النافذة للمواطن أزاء وطنه وإن ذلك يدفع بأتجاه ان تتعزز قضية المواطنة وشعور الفرد بانه مواطن في هذا البلد أو ذاك حينما يجد ان ما يقدمه أتجاه وطنه لابد وان يقابل بقضية أساسية تجعله يتمسك بهذا الوطن ويعمل على تعزيز مكانته ودوره في الحقوق المدنية الاساسية والحريات والمشاركة السياسية وأشاعة قيم المساواة بين الافراد في البلد الواحد ،هي القضايا الاساسية التي تعزز مسألة المواطنة وتجعلها تتحول هي الأخرى الى دين مدني فاعل في المجتمع المعني والمؤلف من مجموعات بشرية وافراد مستقلين يكون تعريفهم على اساس الهوية والانتماء الوطني أولا وقبل أي أنتماءات أخرى دينية وطائفية وقومية ، اي أنتماءات ما قبل دولة المواطنة والناقضة لها أو الانتماءات التي تحمل دائما بذور أنهيار دولة المواطنة وتعريضها الى مخاطر الأنهيار أو التقسيم . 
إن الرغبة بدت بتمزيق المجتمع العراقي (الهوية/الثوابت المجتمعية), كضرورة أولوية لقوى الاحتلال بشكل خاص ولمجمل الدول الغربية, فالصراع القائم حالياً هو صراع ثقافي وحضاري متعدد الأوجه والمجالات, وفي هذا كله تحاول منظومة الحضارة الرأسمالية (الغربية – الأمريكية) من فرض أجندتها على المجتمعات الأخرى, من خلال أدواتها ووسائلها الإعلامية التي وصلت مستوى الاحتراف في العمل الدعائي والإعلامي
وقد شهد العراق نكوصاً  تدريجياً ومريعاً خلال قرن كامل إلى هويات ما قبل المواطنة، مسختْ وعيَ العراقي بأهمية دوره المدني، وحشرته في عبثية صراعات مصطنعة، فأصبحت معايير الدين والطائفة والعشيرة والعرق والمنطقة هي المحركة لسلوكه. 
وباحتلال العرق عام 2003، وتحرره من السلطة الدكاتورية ووقوعه في قبضة الجماعات المسلحة القادمة من ثارات التاريخ وغرف التعذيب والإعدام، يكون العراق قد بلغ نقطة تحوّل حاسمة في تأريخه السياسي المعاصر. فالدولة العراقية وقفت برمتها أمام احتمال التفكك والحرب الأهلية أكثر من أي وقت مضى. 
إن الكارثة المصيرية التي عصفت بالعراق هي ظهور غير مباشر لتراكم مريع لأزمات أخلاقية عصفت بالسلوك السياسي لكل أنواع السلطات التي حكمت العراق خلال أكثر من قرن، ولم تجد لها حلاً ولو جزئياً حتى اليوم. 
بطبيعة الحال لا يوجد معيار عقلاني موحد يكون جديراً بتحديد علاقة الفرد بالدولة والمجتمع سوى كونه "مواطناً" أي إنساناً ذا حقوق ومسؤوليات محددة ضمن إطار قانوني يوفر الحرية والعدالة الاجتماعية. أما معايير الجنس أو العِرق أو الدين أو العقيدة فهي هويات فرعية مشروعة لكنها لا تصلح لاعتمادها معياراً موحداً للقيمة البشرية العليا، فهي لا تعدو كونها تفاضلات وتفضيلات شخصية بحتة لا تحقق امتيازاً لفرد على حساب فرد آخر مهما كان حجم الجماعة الفرعية التي ينتمي إليها. 
إن روح المواطنة تتحقق فعلاً لدى الفرد حين يصبح مدنياً في جوهره وسلوكه، أي تنتفي لديه فكرة التعصب أو التحامل حيال الآخر المختلف عنه دينياً أو عِرقياً أو طبقياً أو فكرياً. ومن المؤكد أن تحقيق مبدأ المواطنة يتطلب وعياً تأريخياً تراكمياً لدى الفرد من جهة، ونضجاً مؤسساتياً لدى الدولة من جهة أخرى. 
لكن العراق يشهد اليوم نكوصاً مريعاً إلى هويات ما قبل المواطنة، مسختْ إلى حد كبير وعيَ الفرد العراقي بأهمية دوره المدني المواطني، وحشرته في عبثية صراعات مصطنعة، فأصبحت معايير الدين والطائفة والعشيرة والعرق والمنطقة هي المحركة لسلوكه والمحددة لقيمته بتأثير الدولة والمجتمع معاً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إزالة دوافعه المتأصلة لإعادة إنتاج هويته الوطنية التي لها دينامياتها الموضوعية الكامنة. 
إن قيم المواطنة تبرز وتسود كلما اشتدت النزعة الوطنية في البلدان الخارجة لتوها من الدكتاتورية، والعكس صحيح أيضاً، أي كلما تراجعت الهوية الوطنية انحسر معها الكبرياء الوطني مفتتاً قيم المواطنة فردياً ومجتمعياً ودولياً. وهذا ما حدث في العراق بسبب التدين السياسي الذي يقوم على عقيدة الاستئثار بالحقيقة والزمن والمصير، ولا يرى في الهوية الوطنية إلا عائقاً أمام مشروعه الأساطيري. فلا فرصة أبداً لازدهار مبدأ المواطنة في ظل أسلمة الدولة مهما كان نوع وحجم الآليات "الديمقراطية" التي تمارسها السلطة. ولا معنى أبداً لصندوق انتخابي ينتجُ ساسة فاسدين. 
إلى جانب كافة المكونات العراقية، تدفع الأقليات العددية دينياً وعرقياً ثمناً باهظاً إضافياً لتغييب مبدأ المواطنة، بسبب افتقارها لقدرة التأثير السياسي والاعتباري للبقاء والتكيف وسط محيط طارد يمارس التمييز والإقصاء إلى أقصى الحدود.




المواطنة والإنتماء في ظل الحكم الصدامي الشمولي.
كان النظام القانوني في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، لا يختلف كثيرا عن النظام القانوني للانظمة الشمولية الفاشية، كنظام هتلر (1933-1945) الذي خول نفسه اصدار التشريعات المختلفة بموجب قانون الصلاحيات المطلقة Enabling Act    لعام 1933 والذي اعطى الحق لهتلر، اصدار القرارات بقوة القانون لترسيخ نفوذه واستبداده وتحقيق طموحاته. 
كما لا يختلف كثيرا عن النظام القانوني الذي كان سائدا في الانظمة الشيوعية الشمولية، حيث لاتوجد سلطات ثلاثة في الدولة، وانما هناك سلطة سياسية واحدة يقودها الحزب، وان الاجهزة الاخرى، التشريعية والتنفيذية والقضائية، عبارة عن وظائف لخدمة اهداف القيادة السياسية.
النظام القانوني في ظل حكم حزب البعث في العراق، هو نظام هجين للنظامين الفاشي والشيوعي. الرئيس صدام حسين هو "القائد الضرورة"، كما كان هتلر وموسوليني وستالين، وحزب البعث هو الحزب القائد، كما كان الحزب الشيوعي والحزب النازي، وقد ترك ذلك أثراً في الولاء للوطن وحالة الأحساس بالأنتماء له.
إن حالة الإحساس بالإنتماء إلى الوطن تتغير سلباً او أيجاباً تبعاً للظروف السياسية التي يعيشها المجتمع مع النظام الحاكم بحكم حالة الأنسجام والتوافق ومستوى الرضا عن السلطة الحاكمة لدى افراد المجتمع فيتولد حينها الشعور بالولاء للوطن والأنتماء له. وتلك بطبيعة الحال هي نتيجة لهذه العلاقة بين الفرد والحكومة، والتي تحكمها ثوابت اساسية كالعدالة السياسية والأقتصادية والأجتماعية، أما في حالة العراق بعد عام 1970 فقد انقسمت فترة حكمه إلى ثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى: من عام 1970 إلى عام 1980.
المرحلة الثانية : 1980-1990
المرحلة الثالثة : 1991-2003
المرحلة الأولى: من عام 1970 إلى عام 1980.
تعد الحقب الثلاثة في تاريخ العراق بمثابت الخلاصة الكاملة لوأد الديمقراطية ومصادرة الحقوق السياسية والمدنية للمجتمع حيث لعبت دوراً مهماً في توطين الحكم السلطوي وإفراغ النظام من محتواه اليمقراطي المدني والقضاء على الشعور بالإنتماء للوطن وقتل حس المواطنة لدى الفرد العراقي، وبداية الولادة الفعلية لدولة التسلط والدكتاتورية.
وحقبة السبعينيات من تاريخ العراق السياسي هي الفترة التي بدأ حزب البعث بتثبيت ركائز وجوده السياسي السلطوي في الحكم، حيث بدأ بنزع كافة الممارسات الدستورية التي تضمن حقوق المجتمع في ممارسة مواطنيتهم تجاه بلدهم بغية المشاركة في بناءه بشكل حضاري، وكان أسلوبه المتبع ليس بحذف النصوص الدستورية التي تكفل تلك الحقوق، إنما بتمييعها وتجميد الكثير منها من خلال هيمنة القوانين التي تتناقض من الدستور وذلك لغياب المؤسسات القضائية التي تضمن دستورية القوانين. فضلاً عن تحزيب المؤسسات المدنية والمنظمات التي تشكلت بأمر من السلطة الحاكمة. وأمام هذه الحقائق لم يبقى لدى المواطن اي شعور بالأنتماء لبلده حيث اصبح يشعر بالغربة والأغتراب في وطنه وهو الأمر الذي كان يسعى له النظام الحاكم تمهيداً لفرض سيطرته إذ اصبح البلد يحكم من قبل عائلة رئيس الدولة، فأين تكمن المدنية في دولة تحكمها عائلة وليس نظام سياسي؟؟؟!!!!! وأين الأحساس بالمواطنة في بلد لاينتمي له الفرد بأي وجه من اوجه الأنتماء، خصوصاً ان من سمات الحاكم المستبد اعتماده الكلي على السرية والوشاية والدسائس، ثم تصفية الخصوم غير الملائمين لطريقة إدارته للحزب أو المنظمة أو حتى السلطة. وقد أدرك صدام حسين أن سيطرته على تلك الأجهزة السرية هي المفتاح لسيطرته على جهاز الحزب كله، ومن ثم مغاليق السلطة الحاكمة ذاتها. ولكن عدا السيطرة على الحزب والسلطة، كان ينبغي التعامل مع قوى سياسية من خارج سلطة البعث، وكان على رأس تلك القوى الحزب الشيوعي العراقي الذي يعتبر سيد الساحة في السبعينات في العمل السياسي والتنظيم والجذور الضاربة في تربة الشعب.
لقد بدأ نظام الحكم البعثي بالإنقلاب على ذاته يإنتزاع السلطة عنوة بالتنازل القسري ليبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العراق وهي مرحلة تنفيذ المخططات الأستعمارية بالقضاء على الأنتماء والولاء للوطن كهدف أساسي لتوطين الهيمنة الأستعمارية على البلد، حيث بدأ بتصفية كل أعضائه اللذين كانت لهم رؤى تجاه الحكم المدني الديمقراطي حسب ما جاء في مؤتمراته وتنظيراته منذ نزوله إلى الساحة السياسية في العراق خلال العقد الرابع من القرن العشرين، لكن مخططات الدول الأستعمارية كانت اكبر من طموحات أولئك الوطنيين ، وحين أذنت ساعة الصفر كان لابد من تنفيذ تلك المخططات بالقضاء على الحس الوطني لدى أبناء الشعب تمهيداً للهيمنة على البلد.([1])
إن الحديث عن هذه الحقبة قد لايحتاج إلى وثائق تاريخية بالقدر الذي يمكن الأستعانه به على ذاكرتنا، حيث عاش جميع العراقيون هذه الحقبة من حكم حزب البعث، بسماجته وتهكمه واستخفافه بكل قيم الأنسانية السماوية والوضعية على حد سواء، حيث بدأ حكمه بإغتصاب السلطة عنوة عام 1968 ثم مالبث ان بدأ بالهيمنة على جميع المؤسسات المدنية والمجتمعية ومحاولة تحزيبها. ناهيك عن زرع الفوضى لدى المجتمع وعزله عن مدنية الحياة بإدخاله في حروب ضد الأكراد استزفت الكثير من أرواح العراقيين وبذر الفتنة بين أبناء القوميتين (العربية والكردية).
عليه وعلى ضوء هذه الإعتبارات بادر النظام السياسي للجمهورية الرابعة الى إتخاذ خطوات بإتجاه إصدار دستور جديد ليعبر عن الواقع السياسي بدقة أكثر ويجسد أفكار الحزب الحاكم بصورة أفضل. اي بعيداً عن حاجة المجتمع إلى دستور يتماشى من الوضع الجديد ، إذ شرع بوضع دستور جديد يتماشى مع متطلبات الحكم وليس مع حاجة تنظيم المجتمع وشؤونه، وبذلك تبرز النوايا المبيتة من قبل السلطة الحاكمة في فرض نظام سياسي جديد ذو طبيعة حكم سلطوية ذات عرف ابوي يسلخ مفاهيم المواطنة الحقيقية ( كممارسة) من جذورها المجتمعية ويفرغها لتصبح ( إكسسوارات دستورية) ويحل محلها كواقع مفروض منهج التبعية والرعية. 
" لقد جاء الدستور المؤقت الرابع لعام 1970 الذي تحول الى دستور دائم فيما بعد بقرار من مجلس قيلدة الثورة، لغرض تكريس جميع السلطات والصلاحيات التشريعية والتنفيذية بمجلس قيادة الثورة، باعتباره الهيئة التشريعية العليا الذي يحق له اصدار القوانيين والقرارات التي لها قوة القانون (المادة 42)، كما منح الدستور المذكور رئيس الجمهورية (صدام حسين)، حق اصدار القرارات التي لها قوة القانون.
وبموجب قانون اصلاح النظام القانوني رقم 35 لسنة 1977، تحولت السلطات في الدولة الى وظائف لخدمة اهداف القيادة السياسية، وهي السلطة الوحيدة في الدولة التي تقوم بتعيين الاجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية للقيام بوظيفتها في تنفيذ خيارات القيادة السياسية (حزب البعث القائد). وبعبارة اخرى، ان السلطة في الدولة واحدة، ولغرض ممارسة نشاطاتها اعتمدت على اجهزة مختلفة ومن بينها "الجهاز القضائي" للقيام بالوظيفة القضائية. وتطبيقا لهذه النظرية، فقد جرى حل مجلس القضاء الاعلى برئاسة رئيس محكمة تمييز العراق، وحل محله "مجلس العدل" برئاسة وزير العدل، وبذلك اصبح القضاة المدنيين، موظفين تابعين لارادة القائمين على الوظيفة التنفيذية (وزارة العدل) شأنهم شأن اي موظف تابع لهذه الوزارة.
ونتيجة لتحول الجهاز القضائي الى وظيفة لخدمة اغراض القيادة السياسية في الدولة، تشرذم القضاء الجنائي وتوزع على وزارات ومؤسسات الدولة العسكرية  والامنية بغية احكام السيطرة من خلاله على جميع المواطنيين، ويمكن تلخيص هذا الواقع على الشكل الاتي:
اولا: قضاء محكمة تمييز العراق المرتبط بوزارة العدل: كان القضاء الجنائي التابع لهذه المحكمة مهمش تماما بحكم انتماء اغلبية الشعب العراقي اما للجيش او قوى الامن الداخلي او الامن او المخابرات او الجيش الشعبي، وجميع هذه المؤسسات تخضع للقوانين العقابية العسكرية وقانون اصول المحاكمات العسكرية لسنة 1941 وبالتالي فان الجرائم التي ترتكب بين منتسبي هذه المؤسسات تخضع في حسمها للقضاء العسكري مهما كانت جسامة الجريمة وطبيعة القانون العقابي بما فيه قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وسواءا ارتكبت اثناء اداء الوظيفة او خارجها.
ثانيا: قضاء محكمة التمييز العسكرية وقوى الامن الداخلي والمشتركة بينهما: وترتبط هذه المحاكم بالوزير المختص (وزير الدفاع او وزير الداخلية)، ولها اختصاصات واسعة جدا بموجب المادة 19 من قانون اصول المحاكمات العسكرية، فهي تقوم بتطبيق جميع القوانيين العقابية العسكرية واي قانون عقابي اخر، عن الجرائم التي يرتكبها منتسيبوا هذه المؤسسات فيما بينهم سواء كانت اثناء الوظيفة او خارجها. ويلاحظ ان اختصاصات هذه المحاكم اوسع بكثير من اختصاصات المحاكم الجنائية المدنية، لان الاخيرة ليس لها الحق في تطبيق القوانين العقابية العسكرية، بينما المحاكم العسكرية وقوى الامن الداخلي، تطبق القوانيين العسكرية واي قانون عقابي اخر..!
ثالثا: قضاء المحاكم الخاصة: شكلت محاكم خاصة لسلب ما يمكن من اختصاصات المحاكم الجزائية التابعة لمحكمة تمييز العراق. وهذه المحاكم تفتقر لابسط المعايير الدولية ومعايير العدالة وهي تتوزع كالاتي:
•  قضاء محكمة الثورة: شكلت هذه المحكمة بعد انقلاب 1968 وحددت اختصاصاتها  بالجرائم الماسة بامن الدولة الداخلي والخارجي المنصوص عليها بالمواد 156-222 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، والجرائم الواقعة على السلطات العامة المنصوص عليها بالمواد 223-116 من القانون المذكور..وغيرها من الجرائم التي يقرر رئيس الجمهورية احالتها الى هذه المحكمة. وكانت قرارات هذه المحكمة قطعية غير قابلة للطعن امام اي محكمة اخرى..!   
•  قضاء المنظمات الحزبية: بموجب قراري مجلس قيادة الثورة المرقميين 55 و 74 لسنة 1994، تم منح قيادات الشعب ومجالس الشعب صلاحيات حجز الاشخاص مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، اذا ما اشترى او باع عملة اجنبية خارج المكاتب المجازة..وتكون خمس سنوات في حالة العود. وكذلك منحت صلاحيات غلق محلات البيع بالجملة والمفرد وحجز اصحابها لمدة ستة اشهر. وان الطعن بتلك القرارات يكون امام قيادة الفرع التي يكون قرارها قطعيا.
•  قضاء الوزارات والاجهزة الامنية: وهي محاكم شكلت خارج تشكيلات المحاكم العسكرية وقوى الامن الداخلي، كالمحاكم الخاصة في وزارة الدفاع والداخلية والامن العامة والمخابرات والامن الخاص بموجب قرارات مجلس قيادة الثورة المرقمة 1752 في 29/11/1980 و 11 في 23/8/1994. تنظر هذه المحاكم الاستثنائية بجرائم محددة بقرارات مجلس قيادة الثورة، ولا تخضع لدرجات التقاضي المألوفة، بل يتم الطعن بها امام الوزير المختص او رئيس المخابرات او مدير الامن العام او رئيس جهاز الامن الخاص..انه امر عجيب غريب حقا..!!
•  قضاء الصلاحيات الخاصة: كانت بعض قرارات مجلس قيادة الثورة تمنح بين الحين والاخر، رؤساء الوحدات الادارية وبعض ضباط الشرطة والموظفين صلاحيات قاضي جنح لغرض انزال بعض العقوبات بحق الاشخاص، وبذلك سلب لبعض اختصاصات المحاكم الجزائية واهدارا للعدالة. 



[1])) في تموز 1979 وقبل اعتزال البكر اصبح العراق ملكاً للحاكم وليس للشعب حيث كان صدام حسين قد أمسك بكل مفاتيح الحزب والدولة: الإشراف على أجهزة الدولة والمخابرات، حيث تولى شقيقاه برزان وسبعاوي المسؤولية المباشرة عنهما. ترؤس لجنة متابعة شؤون النفط. رئيس هيئة الطاقة النووية. رئيس مكتب الثقافة والإعلام. لكن قبل أن يتسلق صدام حسين كرسي الرئاسة كان عليه أن يطيح برؤوس معظم رفاقه القدامى الذين شاركوه السلطة خلال أكثر من سبع سنوات. فكانت مذبحة السابع عشر من تموز عام 1979 حين اعدم ربع أعضاء مجلس قيادة الثورة وثلث القيادة القطرية. وهكذا صعد الى كرسي الرئاسة على جثث عشرات من رفاقه البعثيين. اعدموا بشكل جماعي، وفرض على كل أعضاء الفروع والشُعَب إطلاق طلقة على المعدومين لكي يحس الجميع أنهم شاركوا في التصفية.

الاثنين، 4 أبريل 2016

العالمية والعولمة
مفاهيم ومصطلحات
الدكتور سليم بركات*

لا يوجد حتى الآن تعريف دقيق لمفاهيم العالمية والعولمة، وإنما يوجد تعدد آراء وتداخل بين المفاهيم، لكن اهتمام المفكرين والباحثين وأصحاب الاختصاص يتركز على العولمة بسبب انشغال البشرية فيها أكثر، ومن هذا المنطلق سأبدأ بالحديث عن العولمة أولاً.
مفهوم العولمة Globalization
تعرف على أنها مذهب القائلين بأن الرأسمالية هي ديانة الإنسانية، وأن النسبية الفكرية ستكون لها الغلبة على المطلقات الإيديولوجية، وأن مبدأ النسبية الثقافية هو المبدأ المعول عليه، وليس مبدأ مركزية الثقافات، وفي رأي القائلين بها إن العالم الآن ينتقل من الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية والتعددية، من خلال ثورة معلوماتية شاملة تمكن العولمة من إلغاء الحدود وحرية انتقال الناس والسلع، بإحلال التفاعل والحوار والمنافسة والمحاكاة.
وتأخذ العولمة في إطار هذا التعريف اتجاهين، الاول إيديولوجي أمريكي يحاول قولبة أنظمة الحياة في العالم على صورة نظامه بلا مراعاة لوجود خصوصيات ثقافية قد لا يلائمها نمط الحياة الأمريكي، او تتعارض قيمها ومثلها الاجتماعية مع القيم الأمريكية. والثاني يرى أن العولمة هي نوع من أنواع انتخاب وانتقاء المثل الإنسانية العليا في كل الخبرات الحضارية، وترقيتها لتصبح نموذجاً عالمياً يتم التعامل معه كنموذج مثالي تستهدفه المجتمعات العالمية، فتقترب منه بما تسمح به برامج الإصلاح فيها، وبقدر ما تحمله موازناتها، وهذا التعريف ليس سوى محاولة لتيسير التعامل مع الظاهرة، لكن الواقع يشير إلى أن السائد هو النموذج الأول، الذي عززه انهيار الكتلة الاشتراكية وفتح الأبواب أمام المهرولين نحو القطب المهيمن، اتقاءً لشره، وذوباناً في ثقافته فالعولمة أمركة.
ولقد انتشرت العولمة في كل ما يتصل من تفكير في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما هو مؤكد أن التوجه الحضاري الإنساني في العلاقات الدولية الحديثة والمعاصرة كان يعرف قبل ظهور مفهوم العولمة بمسميات أخرى مثل الدولية، التدويل الإمبريالية، العالمية، الكونية، نظام الاستعمار المباشر القديم، نظام الاستعمار غير المباشر الجديد، وكل هذا سيشكل ظاهرة يستدل منها على مفهوم علاقات بين الحكومات أو بين القوميات، أو متعددة الأطراف، وهذه العلاقات ستكون نتائجها بدون شك للدول الأكثر نفوذاً وتأثيراً في نظام العولمة هذا، ومهما تكن العلاقات الجارية في مسرح العلاقات الدولية المعاصرة، والمفاهيم التي تحاول الإطاحة بها فهي مصطلحات تفسر نفس الظاهرة، وتمثل نزوع الغرب نحو الشمولية والاستبداد العالمي أو الدولي، والقاسم المشترك إلى هذا النزوع هو السوق الحرة، وما المصطلحات التي تسوقها الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية سوى محض تمويه وخداع وتضليل وأدلجة وتوظيف دعائي سياسي تكتيكي للمفهوم، وستبقى العولمة مفهوماً سوسيولوجياً له أهميته في علم الاجتماع العالمي، أو علم العولمة، الذي نرغب فيه أن يكون مستقلاً عن أي توظيف أيديولوجي، وهذا ما نبغي اختياره.
مفهوم العالمية Cosmopolitanism
إذا كانت العولمة (1) تعني وحدة الجنس البشري، باعتبار أن العالم وحدة واحدة، فالعالمية ضد العولمة، الأول انفتاح على العالم، وإقرار بتباين الثقافات والحضارات، والثانية انفتاح على ثقافة واحدة، هي الثقافة الأمريكية، ورفض لما عداها من ثقافات، وإذا كانت وسيلة العالمية الانفتاح بين الحضارات؛ فإن وسيلة العولمة الصدام والصراع بين الحضارات، وإذا كانت العولمة غزوا ثقافيا، واختراقا لخصوصيات الثقافات القومية والوطنية؛ فإن العالمية إثراء لهذه الثقافات، وتلاقحها حضارياً وعلمياً وتقنياً.
وتقوم العالمية على المساواة والنّدية بين مختلف الثقافات، بينما تقوم العولمة على التبعية والهيمنة والتطبيع والغزو والاختراق وإفراغ الثقافة من مضمونها وانتزاع هويتها الخاصة والترابط بين الناس برباط عولمي من اللاوطنية واللاقومية واللا دينية واللادولة.
إن العالمية تخاطب أعمق مشاعر الإنسان عموماً، وأقوى مشاكله، وأخص هواتفه، والعالمي في الأدب والفن هو الذي يتصيد، ما بين البشرية جمعاء، العواطف المشتركة، وما في وجدانها من حقوق موحدة وقيم سامية ومثل عليا على الرغم من اختلاف الأجناس وتباين الأزمان والأوطان، ويعد الحياة كرامة والحرية حقاً، والعدالة الاجتماعية حتماً والفضيلة جوهراً.
فالعالمية نزعة إنسانية توجه التفاعل بين الحضارات، والتعاون والتساند والتكامل والتعارف بين مختلف الأمم والشعوب، والحضارة العالمية نزوع عالمي يرى التعدد والتنوع والاختلاف القاعدة والقانون.
هذا التعريف للعالمية يختلف عن التعريف الغربي في وقتنا الراهن، إذ أن التعريف الغربي الآن يؤمن بالنزعة المركزية اللصيقة بالنموذج الحضاري الغربي منذ القديم، ولهذا فإن الجديد فيه، هو تصاعد في درجة النزعة المركزية، ووحدة التطبيق لها. والسبب في ذلك هو التطورات الجديدة التي طرأت على العالم، ومن ثم علاقة النظام الغربي بالعالم غير الغربي، والذي يطمح في صب العالم اقتصادياً وسياسياً وقيمياً وثقافياً وعسكرياً.. الخ، داخل قوالب غربية.
من هذا المنطلق تتداخل مفاهيم العولمة والعالمية الغربية، لتمثل مرحلة الطوفان (والذي هو في مضمون هذه المفاهيم مجموع الدعاوي الغربية) نهاية التاريخ، بحيث من لم يركب سفينة نموذجه طوعاً سيركبها مكرهاً.
من هنا نقول إن العولمة والعالمية الآن زعامة أمريكية، توضحها أساليب الليبرالية الأمريكية المستخدمة، والتي نلحظ آثارها في الفروقات الاقتصادية الهائلة بين دول الشمال والجنوب، على الرغم من فروقات الكثافة السكانية الهائلة بين الاتجاهين (2) كما يوضحها أيضاً تهميش دور المنظمات الدولية لحساب مؤسسات الدولة الأمريكية، فمجلس الأمن القومي الأمريكي يكاد يحل محل مجلس الأمن الدولي، والكونغرس الأمريكي أصبح يشرع للعالم بأسره ويصدر القوانين التي تصنف الدول بمارقة وإرهابية، ومحاصرة وغير محاصرة، ودول تفرض عليها المقاطعة والعقاب، ودول لا تستحق المقاطعة او العقاب، ودول يستحق إنسانها الحياة والتمتع بحقوق الإنسان، وأخرى لا تستحق، ويصل التشريع الأمريكي إلى حد إصدار القوانين، واعتماد الميزانيات العلنية لتغيير نظم الحكم، هذا بالإضافة إلى استخدام القوة العسكرية الغاشمة لمن تسول له نفسه بالتمرد والعصيان، فمن لم تردعه التحذيرات والعقوبات، تردعه الصواريخ والمقاتلات.
النموذج الغربي للعولمة والعالمية:
1- التحديث modernity والاعتماد المتبادل inter depednce.
2- عولمة رأس المال، التي وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمية الكبيرة بواسطة نمو البورصات العالمية.
3- التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والانتقال.
4- عولمة الثقافة، وتزايد الصلات غير الحكومية، والتنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات من خلال الشبكات الدولية networking، حيث برز التعاون استناداً إلى المصالح المشتركة غير القومية، مما أفرد تحالفات على المستوى الدولي، مثل الحفاظ على البيئة، أو في المجالات غير القانونية كتنظيف الأموال، والمافية الدولية للسلاح.
ولتطبيق هذه المسائل نلاحظ انطواء العولمة على درجة عالية من العلمنة، التي تغلب المادة، وتتمثل الحياة العاجلة، وتختزل الإنسان في بعده المادي الاستهلاكي، وأحياناً الشهواني، وقد عزز هذا الاتجاه المخادع افتقار وجود وعي عالمي، وتنكر الأفراد لهويتهم المحلية لحساب هوية عالمية.
آثار العولمة:
أ - في مجال حقوق الإنسان:
1- حقوق الإنسان في عصر العولمة مهدورة وغير جديدة، لكنها قد أثارت الجدل حول قضية مهمة وهي، هل الحقوق عالمية أم خصوصية؟. كما أثارت الحوار الخاص بالعلاقة بين الحقوق السياسية والمدنية، وأيهما له الأولوية على الآخر؟ بالإضافة إلى إثارة التساؤلات حول تطبيق هذه الحقوق ومسؤولية المجتمع الدولي عن حمايتها.
ومن أهم المسائل الخطيرة التي أثارتها العولمة والمتعلقة بحقوق الإنسان هي إلى متى سيبقى الإطار الأساسي لتطبيق حقوق الإنسان داخل سيادة الدولة وخاضعا لها في الإطار الدولي؟ وما هي آثار ضعف ونهاية الدولة على حماية الحقوق؟ الأمر الذي يعني أن حقوق الإنسان تواجه وضعاً أكثر صعوبة في عصر العولمة.
2- اقتصاد السوق في مواجهة حقوق الإنسان، لأن هذا الاقتصاد يتم من خلال الحدود المفتوحة، وحرية تنقل السلع، التي يغيب فيها التركيز على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، حيث يتم النظر إليها من منطق الربط القسري المستند على التجربة الغربية المرتبط باقتصاد السوق الأكثر قوة في عصر العولمة، وتصور السوق تصور خادع كلما تعلق الأمر بحقوق الإنسان، وهو يميل إلى تأكيد وترسيخ الفوارق الاقتصادية، وعدم التوازن في توزيع القوة، مما يؤدي إلى استغلال حقوق الطبقة العاملة، والجماعات الأخرى الضعيفة.
3- تمكن العولمة قوى غير حكومية، وفواعل غير الدولة من القوة والنفوذ الأمر الذي يشجع على انتهاك أو خلق ظروف تصعب معها حماية حقوق الإنسان، بمعنى أن حرية التعبير والتصرف تصبح في قبضة هذه القوى.
4- لما كانت العولمة تعكس تصوراً إيديولوجياً هو (نموذج الغرب) وتسوّق ثقافة الاستهلاك والتصدير، فإن ما يمكن الوقوف عليه من نتائج هو تصاعد العشوائية، واللامبالاة، وكره الأجانب، الأمر الذي يؤدي إلى حالة معقدة بالنسبة لترتيبات حقوق الإنسان.
5- إذا كانت ممارسة الديمقراطية وثيقة الصلة بإيديولوجية العولمة، التي تمثل طروحات الأقوياء والأغنياء، فإن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ستتعرض إلى الامتهان والتشويه وتصبح ضيقة إن لم تكن معطلة.
6- لما كانت العولمة مرتبطة بجملة من المتغيرات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية، فمن المتوقع أن تكون لها اثارها النفسية المؤثرة على صعيد الفرد والمجتمع، بحيث تتيح تقنيات الاتصال، وما يتبعها من مهارات تعزيز الخصوصية والذاتية، الأمر الذي يساهم في عزلة الفرد وانطوائه، فتتضخم فرديته ونرجسيته، مما يؤدي إلى القلق والحذر والشك وعدم الأمان، كما أن التنافس والربح والمغامرة، ووهم الفرص السانحة يصيب بالإحباط وخيبة الأمل والكوارث من خلال التجربة والمعاناة، يضاف إلى ذلك ما تسببه الصدمة الثقافية من خلال التقنية والاتصالات من اهتزاز للقيم والأفكار والثوابت، بحيث توجد تناقضاً لا يسهل فهمه أو التعايش معه، وربما يقود هذا إلى السلبية والتعصب والتطرف، والى شعور بالنقص والضعف والعجز والاكتئاب، وقد تتطور الحالة إلى فقدان السيطرة على التعامل مع الأسرة والأصدقاء والمعارف من خلال ازدياد التوتر والاضطراب والتغير والتحول، إضافة إلى ما يمكن أن يحدث في ظل العولمة من استيراد وتصدير للأمراض الجسمية والنفسية والاجتماعية، والذي أصبح أكثر شيوعاً بين الشعوب من خلال العدوى والتاثر والتقليد، نتيجة تبادل المنتجات المتنوعة، ابتداءً من البشر والآلات والأطعمة، وانتهاء بالكتب والمجلات والأفلام، مما يعزز الشعور بعدم الأمان لدى الفرد والمجتمع.
ب - في مجال قدرات العولمة الاقتصادية:
لما كانت العولمة عملية معقدة من حيث تدفق التبادلات التجارية، والسرعة المتزايدة للتجارة الدولية، وقيمة تبادل البضائع، فقد أثرت على البيئة من خلال الاندفاع نحو التخصص والاستغلال المكثف للعمليات الإنتاجية، إذ قاد هذا الأمر إلى حالة من التدهور للمحيط البيئوي، والقضاء على الكائنات الحية التي أصبحت مهددة بالانقراض، كما أن تمييز العولمة بتسريع التبادلات المالية وتطوير الاستثمارات في الخارج قد أدى إلى تعميق الانزلاقات المالية والتحكم بها، مما جعل البلدان تتساهل بالأعباء الأجرية وتطبيق الضرائب والقوانين وتتسامح في مجال المعايير الاجتماعية والبيئة بقصد جذب أكبر عدد ممكن من الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية، بالإضافة إلى إيجاد المرونة في العقوبات، الأمر الذي أدى إلى إغراء الرساميل المتأتية من المؤسسات التي لا يهمها سوى الربح فقط. هذا الربح الذي لعب دوراً كبيراً في تحديد نوعية الحكم المستحسنة التي يتم فيها الانتقال من عالم دولي إلى عصر العولمة، هذا الحكم الذي يعني في أذهان بعضهم حكومة عالمية مكونة من بيروقراطيات مركزية عملاقة تدوس على حقوق الشعوب والدول وتتحكم بمصير الإنسانية، معتمدة لتنفيذ سياستها هذه دوراً وهمياً للحكومات والمؤسسات العالمية، وهذا ما ينطبق حالياً على حالة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وعلى الكثير من حكام الشعوب، وعلى المحافل الاقتصادية الكبرى. بالإضافة إلى اعتمادها ايضاً على العناصر الفاعلة التي تعد مساهمتها ضرورية في إدارة العولمة، وتشمل هذه من جملة ما تشمل منظمات المجتمع المدني، حقوق الإنسان، القطاع الخاص، البرلمانيين، السلطات المحلية، الرابطات العلمية والمؤسسات التعليمية.. الخ.
وتحتل الشركات العالمية مركزاً حيوياً في هذا المجال، لأنها هيأت الحيز الاقتصادي المؤثر على مستقبل الشعوب، لا بل على الدول في جميع أنحاء العالم، نتيجة الاتفاقات الدولية، والسياسات الوطنية وفقاً لمفهوم المواطنة العالمية، وحتى يكون السياق العالمي أكثر تكاملاً، فإنه يتطلب درجة عالية من اتساق السياسات وتقوية البنيان المالي الدولي، والنظام التجاري متعدد الأطراف، ويتطلب أيضاً المزيد من ا لتساوق فيما بين سياسات الاقتصاد الكلي، والسياسات التجارية والسياسات المتعلقة بالموازنة، والسياسات المالية والبيئية، بحيث تدعم جميعها الهدف المشترك المتمثل في توسيع نطاق فوائد العولمة، كما أنه من الضروري تحقيق تكامل فعال بين المناهج المتبعة في مجالات إتقاء الصراعات وبناء السلام.
باختصار أنه من الصعب قيادة دفة التحول إلى عالم أكثر عولمة باستخدام شذرات ناقصة، وغير متجانسة، الأمر الذي يستدعي تعبئة المهارات، وسائر موارد الجهات الفاعلة العالمية، التي تتطلب إقامة شبكات عالمية فضفاضة مؤقتة، وتأتي في الطليعة الأمم المتحدة للعب هذا الدور، لأنها في رأي قادة العولمة مؤهلة له، فباسمها كتب الميثاق وطموحاتها الهدف للقرن الواحد والعشرين.
مستقبل العولمة:
تشير معطيات الواقع على أن العولمة الأمريكية الحالية أصبحت مهزوزة، والمستقبل المنظور يشير أيضاً إلى أننا على أبواب عولمة لا تكون المنظمات الدولية ومؤسساتها، والتجمعات العالمية تحت هيمنة دولة واحدة، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل ستقبل الولايات المتحدة الأمريكية بتمرير مثل هذا الأمر؟ والجواب لا قطعاً، لأن النموذج المطروح في الوقت الراهن هو الوحيد المناسب للمصالح الأمريكية، ولذلك علينا أن نتوقع معاداة الولايات المتحدة للعولمة المقبلة وتعويقها لها، فيما لو أتخذت مسارا غير المسار الراهن، ومن يدرك مقولة حتمية عولمة أو عالمية مقبلة، يدرك بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي ستأخذ على عاتقها سقوط العولمة الحالية، وتحول العولمة المقبلة لتكون طوع إرادتها كعولمة مستقبلية، وعلينا أن لا نستغرب من هذا الطرح ونحن نرى موقف الولايات المتحدة من الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، حيث باتت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة القادرة فعلاً على شل أي قرار تتخذه هذه المنظمة، كما أنها تجاوزت كل قوانين الأمم المتحدة دون أن يجرؤ أحد على محاسبتها، وهذا الواقع يعكس رفض الولايات المتحدة لأي عولمة تساير مبادئ الأمم المتحدة في تأمين حقوق الدول، واحترام سيادة الشعوب، وإذا ما سقط النموذج الأمريكي الحالي للعولمة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية سترفض كل المحاولات المستقبلية التي تعتمد الأنسنة، وستسعى لإبقاء العالم في جو غائم وضبابي يمنعه من إدراك المسافة الفاصلة بين الأمركة والأنسنة، وهذه الضبابية لا تكون بالنسبة للإنسان العادي فقط، وإنما ستكون للاستراتيجيين أيضاً، ولعل هذا الأمر توضحه مليارات الدولارات المنفقة تحت شعار تحصين الأمن، ومكافحة الإرهاب، ليس فقط داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما يتعدى ذلك ليشمل الدول الأخرى، الأمر الذي يؤكد قدرة المفاهيم الليبرالية الأمريكية على تمويه حقيقة الواقع، وخلق واقع جديد، من خلال أساليبها الملتوية.
في كل الأحوال فإن النموذج الأمريكي للعولمة يبدو مكروهاً الآن، نتيجة التفرد الأمريكي وأنانيته، وأمريكا تدرك هذا الأمر، وتلاحظه، وهي الآن تحاول تلافيه وتجاوزه من خلال قيامها بخطوات جديدة نحو إحياء سياسة الأحلاف، وتحريك رصيدها القديم، والعالم يرى في هذا التوجه بداية تحول أمريكي جديد، وربما بدت أمريكا مقتنعة الآن بأن السيطرة على الأحلاف أكثر فائدة من السيطرة على الأسواق.
إن الأمم المتحدة وغالبية دول العالم ومنها النمور الآسيوية، والدول النامية ودول الأزمات الاقتصادية تكتشف الآن رداءة النموذج الأمريكي، الذي روجت له شائعات النظام العالمي الجديد، ولاحقها نهاية التاريخ، نهاية الايدولوجيا، نهاية القوميات، وغيرها من النهايات التي حاولت أن تقنع العالم بأن الزمن قد تجمد فراح الناس يستنسخون النموذج الأمريكي الذي فضح أمره، والذي كان في إطار الوهم أكثر مما هو في إطار الحقائق، وبأنه نموذج أسير مصالحه، وبعيد عن الإنسانية التي يدعيها، فراحت تنتقده وتبتعد عنه بعد أن ثبت كذبه وادعاؤه.
في كل الأحوال مازالت العولمة ظاهرة غير واضحة المعالم والأهداف، ولهذا يحذر من المبالغة بأهمية هذه الظاهرة، التي ما هي سوى برامج أمريكية تبنتها مؤسسات التمويل الدولية، وأكملتها اتفاقات التمويل الثنائية التي تربط أمريكياً بدول العالم، من أجل قولبة العالم اقتصادياً وثقافياً على وفق الإدارة الأمريكية، ونمط الحياة الأمريكي، وهي تمثل تغييراً لوجه الرأسمالية، وتجديداً لأثواب الإمبريالية، وقد فرضت وجودها لأن العالم قبل بهذا الفرض عنوة أو اختياراً، ولما كانت العولمة حقيقة لا يمكن إنكارها والواقع العربي والإسلامي الآن لا يسمح حتى بحرية الاختيار تجاهها نتيجة التجزئة والضياع الذي يعاني منه، بالإضافة إلى التحولات الدولية التي لا طاقة للعرب والمسلمين في تعديل اتجاهاتها.
ـــــــــــــــ
* أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق
1- العولمة الأمريكية تتوافق مع الدعوة الصهيونية التي تطالب لليهود بمواطنة عالمية، وجواز سفر عالمي، وفي اعتقادها أنها ستحكم العالم عندما يعود اليهود إلى أورشليم، إذ بعودتهم يعود الرب إلى بيته في بيت المقدس، حيث بيت الرب هو العاصمة العالمية.
أما المسيحية فترى بأن أول إنسان عولمي في تاريخ البشرية هو السيد المسيح، والذي أعلن أن ما يجب أن يوحد البشرية هو فكرة عليوية تتمثل بالأخوة والمساواة الكاملة، وليس الانتماء لعرق أو لشعب أو لدولة، لكن السيد المسيح لم يكن يقصد أن تحكم حكومة عالمية، وإنما ما قصده بالمخلص هو الأب السماوي.
أما الإسلام فتقوم عولمته على رد العولمة إلى عالمية الجنس البشري، والقيم السماوية المطلقة، واحترام خصوصية وتفرد الشعوب، والثقافات المحلية، عولمة تقوم على الحرية والعدالة، وتتجدد في كل زمان ومكان.
2- أبناء دول الشمال يمثلون 20% من سكان المعمورة، ويملكون ويستهلكون 86% من الإنتاج العالمي، و225 فردا منهم يملكون قرابة ما يملك نصف البشرية، لا بل فإن ثلاثة من الأمريكيين منهم يملكون ثروة تعادل ثروة 48 دولة من أعضاء الأمم المتحدة، كما أن 80% من البشرية قد بلغت ديونهم في سنة 1997 مليار دولار، وفوائد هذا المبلغ أربعة أضعاف ما تنفقه دول العالم الثالث على الصحة والتعليم مجتمعين، بالإضافة إلى أن الشركات المتعددة الجنسية تقترض الأموال من شركة (وول ستريت) بفوائد قدرها 6% ثم تفرضها على دول الجنوب بفائدة تتراوح ما بين 20 - 50% ولقد حصلت مصر على قرض منها قيمته 4 ملايين دولار وسددته 25 مليون دولار لهذه الشركات.
مصادر البحث
1- عبد المنعم الخفني: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، القاهرة.
2- بول هيرست، جراهام طومبسون: ما العولمة، عالم المعرفة، العدد 273.
- د. حسان المالح: نفسية ملاحظات العولمة.
- عبد الرزاق القشمعي: ما مفهوم العولمة.
- عمرو عبد الكريم: العولمة مفهوم.
- إبراهيم ناجي علوش: نقد برنامج التكيف مع العولمة.
- أدموند بيرك: العامل الإسلامي في الثورات.
- يوسف صوان: حقوق الإنسان في عصر العولمة.
- إبراهيم استنبولي: العولمة ماذا تعني حقاً.
- محمد عمارة: مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية.
- المركز العربي للدراسات المستقبلية: سقوط العولمة.
- تاريخ مفهوم وظاهرة العولمة.
- العولمة والتنمية.
- العولمة والحكم.

- الإسلام والعولمة، ملتقى الجزائر 13 أيار 2004م.

Ads Inside Post