المواطنة في عراق ما بعد 2003
حين نتحدث عن الوطنية هنا بمعنى الأنتماء للوطن وحمل هويته وأداء الواجبات التي يحددها الدستور
والقوانين النافذة للمواطن أزاء وطنه وإن ذلك يدفع بأتجاه ان تتعزز قضية المواطنة
وشعور الفرد بانه مواطن في هذا البلد أو ذاك حينما يجد ان ما يقدمه أتجاه وطنه
لابد وان يقابل بقضية أساسية تجعله يتمسك بهذا الوطن ويعمل على تعزيز مكانته ودوره
في الحقوق المدنية الاساسية والحريات والمشاركة السياسية وأشاعة قيم المساواة بين
الافراد في البلد الواحد ،هي القضايا الاساسية التي تعزز مسألة المواطنة وتجعلها
تتحول هي الأخرى الى دين مدني فاعل في المجتمع المعني والمؤلف من مجموعات بشرية
وافراد مستقلين يكون تعريفهم على اساس الهوية والانتماء الوطني أولا وقبل أي
أنتماءات أخرى دينية وطائفية وقومية ، اي أنتماءات ما قبل دولة المواطنة والناقضة
لها أو الانتماءات التي تحمل دائما بذور أنهيار دولة المواطنة وتعريضها الى مخاطر
الأنهيار أو التقسيم .
إن الرغبة بدت بتمزيق المجتمع
العراقي (الهوية/الثوابت المجتمعية), كضرورة أولوية لقوى الاحتلال بشكل خاص ولمجمل
الدول الغربية, فالصراع القائم حالياً هو صراع ثقافي وحضاري متعدد الأوجه
والمجالات, وفي هذا كله تحاول منظومة الحضارة الرأسمالية (الغربية – الأمريكية) من
فرض أجندتها على المجتمعات الأخرى, من خلال أدواتها ووسائلها الإعلامية التي وصلت
مستوى الاحتراف في العمل الدعائي والإعلامي
وقد شهد العراق نكوصاً تدريجياً ومريعاً خلال قرن كامل إلى هويات ما
قبل المواطنة، مسختْ وعيَ العراقي بأهمية دوره المدني، وحشرته في عبثية صراعات
مصطنعة، فأصبحت معايير الدين والطائفة والعشيرة والعرق والمنطقة هي المحركة
لسلوكه.
وباحتلال العرق عام 2003، وتحرره
من السلطة الدكاتورية ووقوعه في قبضة الجماعات المسلحة القادمة من ثارات التاريخ
وغرف التعذيب والإعدام، يكون العراق قد بلغ نقطة تحوّل حاسمة في تأريخه السياسي
المعاصر. فالدولة العراقية وقفت برمتها أمام احتمال التفكك والحرب الأهلية أكثر من
أي وقت مضى.
إن الكارثة المصيرية التي عصفت
بالعراق هي ظهور غير مباشر لتراكم مريع لأزمات أخلاقية عصفت بالسلوك السياسي لكل
أنواع السلطات التي حكمت العراق خلال أكثر من قرن، ولم تجد لها حلاً ولو جزئياً
حتى اليوم.
بطبيعة الحال لا يوجد معيار
عقلاني موحد يكون جديراً بتحديد علاقة الفرد بالدولة والمجتمع سوى كونه
"مواطناً" أي إنساناً ذا حقوق ومسؤوليات محددة ضمن إطار قانوني يوفر
الحرية والعدالة الاجتماعية. أما معايير الجنس أو العِرق أو الدين أو العقيدة فهي
هويات فرعية مشروعة لكنها لا تصلح لاعتمادها معياراً موحداً للقيمة البشرية
العليا، فهي لا تعدو كونها تفاضلات وتفضيلات شخصية بحتة لا تحقق امتيازاً لفرد على
حساب فرد آخر مهما كان حجم الجماعة الفرعية التي ينتمي إليها.
إن روح المواطنة تتحقق فعلاً
لدى الفرد حين يصبح مدنياً في جوهره وسلوكه، أي تنتفي لديه فكرة التعصب أو التحامل
حيال الآخر المختلف عنه دينياً أو عِرقياً أو طبقياً أو فكرياً. ومن المؤكد أن
تحقيق مبدأ المواطنة يتطلب وعياً تأريخياً تراكمياً لدى الفرد من جهة، ونضجاً
مؤسساتياً لدى الدولة من جهة أخرى.
لكن العراق يشهد اليوم نكوصاً
مريعاً إلى هويات ما قبل المواطنة، مسختْ إلى حد كبير وعيَ الفرد العراقي بأهمية
دوره المدني المواطني، وحشرته في عبثية صراعات مصطنعة، فأصبحت معايير الدين
والطائفة والعشيرة والعرق والمنطقة هي المحركة لسلوكه والمحددة لقيمته بتأثير
الدولة والمجتمع معاً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إزالة دوافعه المتأصلة لإعادة
إنتاج هويته الوطنية التي لها دينامياتها الموضوعية الكامنة.
إن قيم المواطنة تبرز وتسود
كلما اشتدت النزعة الوطنية في البلدان الخارجة لتوها من الدكتاتورية، والعكس صحيح
أيضاً، أي كلما تراجعت الهوية الوطنية انحسر معها الكبرياء الوطني مفتتاً قيم المواطنة
فردياً ومجتمعياً ودولياً. وهذا ما حدث في العراق بسبب التدين السياسي الذي يقوم
على عقيدة الاستئثار بالحقيقة والزمن والمصير، ولا يرى في الهوية الوطنية إلا عائقاً
أمام مشروعه الأساطيري. فلا فرصة أبداً لازدهار مبدأ المواطنة في ظل أسلمة الدولة
مهما كان نوع وحجم الآليات "الديمقراطية" التي تمارسها السلطة. ولا معنى
أبداً لصندوق انتخابي ينتجُ ساسة فاسدين.
إلى جانب كافة المكونات
العراقية، تدفع الأقليات العددية دينياً وعرقياً ثمناً باهظاً إضافياً لتغييب مبدأ
المواطنة، بسبب افتقارها لقدرة التأثير السياسي والاعتباري للبقاء والتكيف وسط
محيط طارد يمارس التمييز والإقصاء إلى أقصى الحدود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق